إجازة مُرّة يقضيها طلاب غزة في الخارج

لا تقلّ العودة إلى غزة صعوبة عن الخروج منها، فالداخل إلى هذا السجن الكبير ﻻ يعلم متى يسمح له بمغادرته مرة أخرى. هذا هو حال آﻻف الطلاب الغزيّين في الخارج. بعد أن علقوا لأشهر طويلة داخل حدود القطاع وتأخروا عن الالتحاق بجامعاتهم في الخارج، تمكّن بعضهم من عبور بوابة معبر رفح باتجاه الدولة التي سيكملون فيها دراستهم الجامعية.
تأتي إجازة الصيف على الطلاب الغزيّين في الخارج مصحوبة بكثير من البؤس والوحدة وشعور دائم بالاختلاف عن زملائهم. في الوقت الذي يعود فيه كلّ الطلاب المسافرين، بعد نهاية سنتهم الدراسية، إلى ديارهم للقاء أهلهم وأصحابهم، يبقى الغزيّون وحدهم في مكانهم. يمنعهم إغلاق السلطات المصرية لمعبر رفح البري من قضاء إجازتهم بجانب أهلهم، يباشرون بِعدّ أيام إجازتهم يوماً تلو الآخر، حتى يبدأ الفصل الدراسي الجديد لينخرطوا في أجواء الدراسة من جديد، باحثين عن إجابة لسؤال أول الفصل الدراسي المقبل: “كيف كانت إجازتك؟”.

كاد أن يفقد دراسته
يدرس عبد الله هندسة الحاسوب في إحدى الجامعات التركية. خلال الصيف الماضي غامر عبد الله عند فتح معبر رفح وعاد إلى القطاع ليحضر حفل زفاف أخيه بعد قضائه ثلاثة أعوام بعيداً من أهله. في هذه الفترة أغلق المعبر لمدة ثمانية أشهر متواصلة، انتهت إجازة الصيف خلالها ولم يتمكن من المغادرة لاستكمال دراسته.
أضاع عبد الله الفصل الدراسي الأول في سنته الجامعية الثالثة، قبل أن يتمكن من الخروج في منتصف الفصل الدراسي الثاني، ليستقبله أصدقاؤه في اسطنبول استقبال العائد من الجبهة. دفع ما حصل عبد الله بالتعهد ألّا يعود إلى غزّة قبل تخرّجه من الجامعة بنجاح.
يستذكر الطالب أيهم إبراهيم الآية القرآنية “ادخلوها بسلام آمنين”، التي شاهدها على جدار في الجانب المصري من معبر رفح البري، حين خرج قبل عامين ونصف. يتساءل: “أي أمان هذا الذي تخدعنا به السلطات المصرية؟ الكل يعلم أنّ الداخل إلى غزة من خلال هذا المعبر قد يموت قبل أن يخرج منها مرة أخرى”. يضيف: “أنا واحد من آلاف هؤلاء الطلاب الذين لم يتمكنوا من قضاء أي إجازة فصلية مع أهله حتى الآن، لم أزُر غزة ولو لمرة واحدة على عكس بقية الطلاب من دول العالم المختلفة، حتى الفلسطينيين منهم من سكان الضفة المحتلة والداخل الفلسطيني المحتل الذين ما أن ينتهوا من فصلهم الدراسي حتى يحجزوا تذاكر الطيران ويعودوا لفلسطين المحتلة، ثم يعودوا إلينا ومعهم بعض من رائحة البلاد وطعامها”.

العلم في الغربة وطن
يقول طالب الهندسة في جامعة برلين التقنية في ألمانيا محمد القطّاع: “أصعب اللحظات تكون عندما يبدأ الطلّاب آخر الفصل الدراسي بحجز تذاكر السفر إلى بلدانهم، ويسألونني إن كنت قد حجزت تذكرة العودة إلى فلسطين أم ﻻ؟ اضطر في كل مرة لشرح وضع المعبر وعدم إمكانية التضحية بما أنجزته من سنوات دراسة، وصعوبة المخاطرة بلا أفق أو أمل”. يضيف: “أعرف أنّ الغربة مُرّة والإجازة أتجرّعها بصعوبة بعيداً عن الأهل. هذه ضريبة كونك من غزة، والتي علينا دفعها بأي الطرق. ما يُصبّرني أنّني أستطيع رؤية أهلي ومحادثتهم عبر الإنترنت ويخفف عني أنّني خارج في طلب العلم. وكما قال ابن رشد: العلم في الغربة وطن والجهل في الوطن غربة”.

حلول بديلة
ينخرط بعض الطلاب في العمل، إن توفر، ومنهم من يغادر إلى دولة أخرى يتواجد فيها أقارب أو أصدقاء، فتكون رحتله لمّة للأقارب والأصحاب إلى جانب كونها سياحة. إيمان وإسراء، وهما طالبتا دكتوراة في إسطنبول، استطاعتا التغلب على هذا الظلم بجلب شقيقهما وعائلته الذين يقيمون في إحدى الدول العربية إليهنّ في إسطنبول، ليقضي جزء من أفراد العائلة في الشتات إجازته الرمضانية معاً، لكن دون التمكن من الاجتماع بالجزء الآخر في غزة على مائدة إفطار واحدة.
عبّر أحمد طلبة، طالب الماجستير بجامعة أنقرة عن هذه الحالة متهكمًا عبر حسابه على “فايسبوك” بالقول: “مساكين الطلاب الأجانب في تركيا، راح يقضوا رمضان وإجازة الصيف بعيد عن أهلهم عشان معابرهم مسكرة، عكس الغزازوة تماماً مسافة الطريق بنكون بحضن أهالينا”.

  • نشرت أولًا في ملحق شباب السفير بجريدة السفير اللبنانية | هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s