عن رفيف .. والضحايا الفلسطينيين في تفجيرات إسطنبول

عندما انتهت الحرب الأخيرة على غزة قبل عامين ظننت أن الموت أصبح عاديا بالنسبة لي ، فالمشاهد التي رأيتها خلال فترة عملي مع إحدى القنوات الفضائية داخل مستشفى دار الشفاء بغزة كانت كافية بأن تجعل مشاهد الدماء وتردد صدى صرخات الجرحى ودوي الإسعافات جعلت من هذا الموت أمرا روتينيا على مدار 51 يوم متواصلة ، من بعدها صار الموت بالنسبة لي هو الطبيعي و الحياة شيء غير مألوف.

عندما وقعت انفجارات مطار أتاتورك بإسطنبول قبل أيام كنت على مائدة الإفطار في بيت أحد الأصدقاء بمنطقة قريبة من المطار وفجأة إذ بخبر عاجل يصل أن هناك إطلاق نار وأصوات انفجارات في مطار إسطنبول، تصفحت قائمة الأخبار في موقع تويتر لم يكن وقتها أحد ذكر شيئا في فيسبوك كان الأمر كذلك ، إلا أن أحد أصدقاء الدراسة من اليمن كان يبث على حسابه في فيسبوك بثا مباشرا من مطار أتاتورك تحت عنوان “هجوم إرهابي على مطار أتاتورك الآن .. سامحوني” في الفيديو كانت الجميع يصرخ ويهرب إلى كل الاتجاهات وصديقي يتحدث بالعربي تارة وبالإنجليزية والتركية تارة أخرى ويخبر بأن هناك اشتباكات داخل المطار وأن الجميع خائف ويطلب السماح من أصدقاؤه إن صابه مكروه.

حاولت الاتصال به ﻻ إجابة إلى أن جاءت الأخبار بعد دقائق أن هناك تفجيران إرهابيين أمام صالة الخروج في المطار وآخر في مأرب السيارات وعدد كبير من الجرحى ، بدأت بعدها أصوات الإسعاف تصدح من كل الاتجاهات تسير مسرعة باتجاه المطار.

بعد منتصف الليل كنت عائدا مع صديقي أحمد من تناول السحور وكانت الأخبار العاجلة تأتي كل دقيقة  وأرقام الشهداء والجرحى في ازدياد ، إلى أن جاء اتصال من صديقنا معاذ قال أنه ضحايا وإصابات فلسطينيين في الانفجارات التي وقعت بمطار إسطنبول وطلب منا التوجه لتقديم أي شيء نستطيع لهم إلى حين يلتحق بنا ، أدار أحمد سيارته باتجاه المستشفى المجاور للمطار حيث توجد العائلات الفلسطينية في مستشفى يشيل كوي إنترناشونال.

دخلنا الغرفة 206 من المستشفى المجاورة للمطار حيث كانت سيدة فلسطينية من عائلة الشوربجي تجلس بجوار ابنها باسل (15 عام) المصاب بشظايا في أنحاء جسده وكسور في قدمه وكانت إصابته طفيفة وحالته مستقرة بينما كانت أخته أسيل (17 عام) في غرفة العمليات بعد أن أصيبت بشظايا مباشرة في الكبد والطحال ،لكن طفلين آخرين وهما فارس (13 عاما) وغدير (12 عاما) والأب والزوجة لم يصابا بأذى، أخبرنا والدهم رائد أن الإرهابي فتح حزامه الناسف أمامهم وفجر نفسه بعد أن أطلق النار من سلاحه على الناس ، مضيفا أن جزء من المسافرين على طائرة الخطوط الجوية السعودية القادمة من جدة كانوا من ضحايا الانفجار.

في الغرفة 304 من نفس المشفى كانت الطفلة رفيف ملحم ” 3 سنوات” على سرير يحمل جسدها الصغير الذي أصيب بشظية في قدمها اليمنى وبجوارها والدها مروان ملحم (34 سنة) وكانت إصابته طفيفة ، أما زوجته نسرين حماد (28 سنة) كانت قد فارقت الحياة نتيجة الانفجار ولكن حتى وقتها كان الخبر ممنوع من النشر . دخل الأطباء إلى الغرفة وقابلتهم رفيف بابتسامتها  التي تجعل من يراها ينسى هول المشهد فالطفلة صاحبة الوجه البشوش كانت تغني أغاني الأطفال وتعد الأرقام باللغتين العربية والإنجليزية  بينما كان الأطباء يغرزون جسدها بخيوط تضمد جراحها التي فتحها الإرهاب.

في مستشفى بكركوي كانت سندس عبد الحليم باشا من مدينة قلقيلة قد فارقت الحياة والتحقت برفيقة دربها في الحياة والموت الشهيدة نسرين حماد ، تاركة خلفها طفلها ريان (4 سنوات) مصابًا بإصابة خطيرة وزوجها محمد شريم مصابًا بجروح بسيطة.

بعد يومين من الانفجار شيعت الجالية الفلسطينية بإسطنبول جثماني أم رفيف وأم ريان في مطار أتاتورك الدولي بإسطنبول قبل أن تقلهما طائرة إلى العاصمة الأردنية عمان ثم إلى مسقط رأسيهما في فلسطين ، رافق جثمانيهما رفيف ووالدها فيما بقي محمد شريم إلى جوار ابنه ريان الذي يتلقى العلاج في المشافي التركية.

مشاهد الموت هذه كانت الأولى التي أشاهدها بعد حرب غزة عام 2014 لتثبت أن الموت شيء غير طبيعي ولا يمكن الاعتياد عليه ، ففي كل مرة يأتي فيها يحمل معه حزن أكبر من الذي قبله وكأنه أول موت نشهده ، رحم الله الشهيدتين وصبر ذويهم وإلى رفيف التي أسرتنا بابتسامتها كل الحب والأمنيات الجميلة في حياتها التي ستكون حتمًا جميلة بجمال روحها.

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s