الهجرة من غزة: المجهول ليس خلاصًا

يبقى الخروج من أسوأ الأماكن أمراً صعباً حين يكون البديل هو المجهول. هذا هو حال بعض الشباب الفلسطينيين الذي يرون في غزة جحيماً.
تشير نتائج الربع الثاني من العام 2015، بحسب المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، إلى “ازدياد الإحباط داخل قطاع غزة، حيث تصل نسبة التفكير بالهجرة من القطاع إلى النصف، وهي أعلى نسبة تمّ تسجيلها حتى الآن”.
مؤخّراً خرج الكثير من الشبّان الفلسطينيين من غزّة بعد حصولهم على تأشيرة سياحية إلى تركيا. حطّوا رحالهم في اسطنبول فرحين، رغم مشقة السفر عبر معبر رفح، بسبب الانتظار الذي امتدّ لأيام والمغامرات صعبة لوضع أسمائهم على قوائم المسافرين. لكن، ما إن استقر بهم الحال في اسطنبول وزالت نشوة الخلاص الأول بعد يومين أو ثلاثة، حتّى اصطدموا بالواقع المغاير لأحلامهم.

القصة غير الكاملة
وصل سبعون فلسطينياً من غزة إلى اسطنبول في ذلك الأسبوع. هؤلاء هم مَن نالوا حريتهم من الحصار الإسرائيلي – المصري بعد فتح معبر رفح لمدة ثلاثة أيام. كان من بينهم صديقي الذي حرصت على استقباله في مطار إسطنبول، لأقابل بمعيّته الخارجين من غزة لأسبابٍ شتى، مثل العلاج والدراسة والعمل، ومعهم رأيت الحالات الأكثر إثارة للاهتمام: من خرجوا دون سبب سوى رغبتهم بالرحيل عن غزّة.
كجزء من هوايتي بجمع القصص والإنصات لها، سألت هؤلاء الشباب عن سبب قدومهم إلى تركيا، وعن خططهم المستقبلية حول العمل أو الدراسة. قال بعضهم إنّ اختيارهم لتركيا، جاء لكونها ممرّاً للعبور إلى أوروبا، وإنّهم بالتنسيق مع مهرّب تواصلوا معه على “فايسبوك” سيذهبون إلى أوروبا مقابل مبلغ من المال. وليس عليهم فعل شيء هنا سوى أن يستقلّوا سيارة أجرة من المطار إلى صالة انتظار المهرّبين، أي منطقة أكسراي، في وسط مدينة اسطنبول. حاولت وقتها إقناعهم بأنّ أكسراي معروفة بانتشار العصابات والمافيا وتجار البشر فيها دون جدوى.
مرّ شهر على تلك المحادثة، وهم ما زالوا عالقين في اسطنبول، لا هم وجدوا المُهرّب الذي وعدهم بـ “نعيم أوروبا”، ولا هم وجدوا عملاً يُعيلهم. إيجاد عمل في المدينة يحتاج لاستصدار تصاريحٍ خاصة، وإن أرادوا عملاً بغير الشكل القانوني ستشكّل اللغة التركية عائقاً كبيراً أمامهم، فهي اللغة الوحيدة التي يتعامل بها المقيمون مع الضيوف، لذلك عليهم أولًا التسجيل في دروس اللغة التركية لمدة 6 أشهر ثم البدء بالبحث عن عمل. لكن كيف يمكن ذلك وقد نفدت أموالهم خلال السفر؟
يقول خالد، وهو طالب قدم من غزة لاستكمال أبحاث الدكتوراه في جامعة اسطنبول، إنّه قابل في غرفة الترحيل بمطار القاهرة خلال سفره الأخير العديد من الأشخاص لا يمتلكون حتى ثمن تذكرة الطائرة التي تقلهم إلى تركيا، بعد أن دفعوا “تحويشة عمرهم” لوضع أسمائهم في قوائم المسافرين ضمن التنسيقات المصرية، إضافة إلى أنّه لا يوجد أحد من معارفهم في تركيا ليؤمن لهم سكناً مؤقّتاً يبيتون فيه حتى تستقرّ أمورهم. يضيف: “حين كنت أسألهم عن صحة قرارهم بالخروج من غزة، يقولون: يا عم أيّ مكان برا غزة معلش بنتحمل وبندبر حالنا. المهم نطلع من هالخنقة”.
أما حسن مرتجى (23 عاماً)، فهو شاب غزّاوي أنهى دراسته في العلوم السياسية والاقتصاد في الجامعة الإسلامية في غزة، وبعد اقتناعه بعدم وجود مجال للعمل قرر البدء بإجراءات السفر إلى تركيا آملاً بالعمل في إحدى شركات السياحة، كما وعده أحد معارفه. يقول: “وضعي المادي في غزة جيّد مقارنة بغيري من الشباب، لكنّني أبحث عن تحقيق إنجاز شخصي في حياتي العملية، فالوضع في غزة لا يسمح لأحد أن يتقدم خطوة واحدة ما لم يكن له واسطة أو عائلة تسنده”. يضيف: “آمل أن أجد في اسطنبول فرصة للعمل في السوق. أدرك أنّ التجربة ستكون صعبة، لكنّ أيّ شيء أفضل من أن يفوتني القطار في غزة”.

لا يَملّ من الهجرة
كان أبو عبيد (27 عاماً) يعمل كمزارع في غزة قبل أن ينتقل إلى تركيا في العام 2010 باحثاً عن لقمة العيش بعد يأسه من العمل بالزراعة، بسبب تدمير الاحتلال لغالبية الأراضي الزراعية خلال الحرب. إضافة للضغط النفسي والمجتمعي الذي زاد عليه، مكث في اسطنبول شهراً واحداً ولم يفلح في الحصول على أيّ عمل ثم عاد إلى غزة محمّلاً باليأس. لكن، وبعد أن ضاقت به الدنيا مرّة أخرى أعاد الكرّة في العام 2011 وجلس في اسطنبول ليوم واحد فقط قبل أن يعود إلى غزة.
بعد خمس سنوات من البطالة في غزة عاد أبو عبيد مجدّداً إلى اسطنبول ودفع هذه المرة 2500 دولار مقابل التنسيق لدى الجانب المصري للسفر. إذ كان موعوداً من أحد أقاربه بالعمل بعد أن يتعلم اللغة التركية، والتي كلفه الحصول على مقعد فيها 300 دولار قبل البدء في الدراسة. لكن ما إن وصل إلى اسطنبول حتّى انقطع التواصل مع قريبه. اضطر للعيش في سكن شبابي وبدأ رحلة البحث عن عمل. وجد بعد فترة إعلانات لوظائف، وعندما تواصل مع صاحب الإعلان طلب منه 100 ليرة تركية (أي ما يعادل 30 دولاراً) عمولة، إضافة لثلث راتب الشهر الأول في حال حصوله عليه.
على مدار شهر ونصف، عمل أبو عبيد في مزارع الأبقار بدوام وصل إلى 12 ساعة يومياً، ومن ثم عمل في البناء والإنشاءات براتب لا يكفي للإيجار، ثم ضاقت به اسطنبول مجدّداً فحمل أمتعته بعد أن فتح معبر رفح أبوابه قبل عيد الفطر، وعاد إلى غزة قاطعاً على نفسه عهداً بعدم الخروج منها إلى أي مكان في الدنيا.

*نشرت أولا في ملحق شباب السفير | هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s