مشاهدات من حرب غزة الثالثة

بجوار ثلاجات الموتى في مستشفى “دار الشفاء” في غزّة عِشت أيام العدوان الإسرائيلي في تموز ٢٠١٤، ضمن طاقم فضائية “فلسطين اليوم”، وشهدت معهم واحداً وخمسين يوماً من أقسى أيام العمر.
أصوات سيارات الإسعاف تدوّي على مدار الساعة محمّلة بجثث للشهداء وأًناس نهشت الصواريخ الإسرائيلية أجسادهم، أخبار الموت لا تتوقف، والنازحون من القصف شرقي المدينة يفترشون الأرض من حولنا، يفتشون بين أصوات المذيع الذي يقرأ الأخبار العاجلة على الإذاعة عن خبر رُبّما يسر قلوبهم.

ليلة الشجّاعية
لا حديث يسبق حديث مجزرة الشجّاعية يوم 20 تمّوز، فالمجزرة التي استمرت طوال الليل حتى الصباح كانت من أصعب الليالي في تاريخ غزّة. لم يشفع للذين كانوا تحت القصف أحد، فالموت كان يحصدهم جواً وبراً وبحراً. جاء الصباح وجاءت معه اتفاقية إيقاف إطلاق النار لساعتين فقط، ليتمكن الناس من الخروج لمكان آمن ساحبين معهم ما تمكّنوا من جثث أهلهم الذين قضوا ليلتها نازحين من شرق المدينة إلى غربها حيث مستشفى دار الشفاء.
بدوا حين داست أقدامهم أرض المستشفى، كأنّهم دخلوا الجنة بعد عذاب في النار. الدموع تملأ وجوه أطفالهم ونساءهم حتى بعض الرجال منهم، فهول المجزرة لم يكن ليخطر على بال أحد منهم يوماً. ملامح البؤس سيطرت على أهل الشجّاعية، لا شيء يُقال في حضرتهم إلّا بعض كلمات المواساة على خجل. كان مشهد الإفطار في وضح النهار عادياً في غزة نهار ذلك اليوم الرمضاني، فهل يفكر الناجي من الموت إلّا بشيء يعلقه بالحياة؟

بِشارة المساء
تجمّع الناس حول شاشات التلفاز التي كانت لدى الطواقم الصحافية، وأمسك بعضهم بالراديو الصغير فور إعلان المقاومة الفلسطينية عن بيان عسكري للناطق باسم “كتائب القسام” أبوعبيدة، والذي كانت بياناته العسكرية تُصبّر الناس تحت القصف لما تحمله من أخبارٍ عن إنجازات المقاومة في مواجهة آلة لاحتلال. بدأ أبو عبيدة بسرد إنجازات المقاومة الفلسطينية خلال الأيام السابقة في تسع نقاط ختمها بعاشرة قلبت الحزن الذي خيّم على الجميع إلى فرح لا إرادي عندما ذكر أن “كتائب القسام” تمكّنت من أسر الجندي الإسرائيلي شاؤول آرون، صاحب الرقم “6092065”، عادت الحياة لمن نجوا من الموت وهتفوا وكبروا في ساحات المستشفى ووزعوا الحلويات احتفالاً بهذا الخبر. كانت تلك الليلة مليئة بزغاريد الفرح بعد ليلة واحدة من البكاء.

المُسعِف الشهم
كان العم أبو حمزة البلتاجي يعمل مسعفاً في مستشفى جنين شرق غزة. يشهد له زملاؤه بشجاعته ودخوله لأشدّ الأماكن خطراً ليسعف الجرحى وينقل جثث الشهداء، هو والفريق الذي معه. كان لهم الفضل في نقل العديد من الأسر المحاصرة في الشجّاعية ليلة المجزرة من ضمنهم أسرة صديقي أحمد. رافقنا العم أبو حمزة في المستشفى خلال أيام الحرب، نفطر بعض أيام رمضان سوياً إن تزامن وقت الإفطار مع وقت هدوء حذر، يحدّثنا بعد كل جولة عمّا واجهه من مخاطر في إنقاذ كل حالة، فكان لكل جريح يُنقذه قصة، في صباح ثاني أيام عيد الفطر الحزين جاء أبو حمزة ليودعنا لأنّه قرر أخيراً زيارة زوجته وأولاده بعد غياب لمدة أربع وعشرين يوماً عن البيت، لكن خبر قصف سوق الشجاعية جعله يتركنا مسرعاً إلى سيارة إسعافه باتجاه مكان القصف.
بعد نصف ساعة من ذهابه عادت سيارات الإسعاف محملة بعشرات الإصابات وسبعة عشر شهيداً، من بينهم المُسعف عبد الرزاق البلتاجي، أبو حمزة، الذي كان يجلس معنا قبل أقلّ من نصف ساعة. لم تكن ابنته، التي تعمل في قسم الاستقبال في المستشفى، تتوقع أن تستقبل جثة أبيها!

كأس العالم تحت القصف
تزامن بداية الدور النصف النهائي لبطولة كأس العالم 2014 مع بداية الحرب، فمنع القصف المستمر وتهجير الناس من بيوتهم، إضافة للانقطاع المستمر للكهرباء، متابعي كرة القدم في غزة من مشاهدة المباريات، ومن كان يجد فرصة لحضور مباراة كان يضع نفسه بين خيارين أحلاهما مُرّ، إمّا أن يُلام ممّن حوله بأنه لا يُبالي بالموت ولا يحترم الدماء ويشاهد “ناس بتلعب بآخر الدنيا ما بتعرف عنّا إشي وإحنا بنموت”، أو يعرّض نفسه للموت، كما حدث في بيت صديقي وجارنا عبد الرازق المجدلاوي إذ قصفت الطائرات منزلهم بينما كانوا متجمعين لمشاهدة إحدى المباريات، فاستشهد عبد الرازق وثلاثة من أقاربه الأطفال وأصيب البقية.

  • نشرت أولا في ملحق شباب السفير | هنا

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s