عن المرض في الغربة

قد يستطيع المرء التغلّب على الكثير من الصعوبات التي تواجهه في غربته، فمع الزمن يبدأ الأصدقاء بملء بعض ما تركه الأهل من فراغات، لكنّ المرض هو الحالة الوحيدة التي يصعب على المغترب التأقلم معها، ليس فقط بسبب البعد وفقدان الرعاية، بل لأنّ ثقافة المرض تختلف من مكان لآخر، إذ لا يعطي كلّ الناس للمريض حقه.

جريح الحرب وحيدا
‪يتلقى الكثير من جرحى العدوان الإسرائيلي على غزة علاجهم في المستشفيات التركية. من المعتاد أن يُرافق كل منهم أحد الأقرباء ليعينه على قضاء حوائجه ويهتم بعلاجه وأوقات مراجعته في المستشفيات. لكنّ السلطات المصرية حكمت على الجريح رامز أن يمضي برحلة علاجه في تركيا وحيداً. في ذلك اليوم، جلس رامز، ذو القامة الطويلة والمنكبين العريضين، على سريره الطبي في سيارة الإسعاف إلى أن أوصل إلى معبر رفح. لكنّ الشرطي المصري رفض حتى السماح للسرير أن يرافق رامز، فأجبروه على الخروج من الإسعاف وأجلسوه ممدّداً داخل ممرّ الباص الكبير، يُسانده أصدقاؤه الجرحى أيضاً، ويحاولون جميعاً التغلب على مشقات الرحلة الطويلة نحو مطار القاهرة، ليرحلوا من هناك مرة أخرى إلى تركيا أملاً بالاستشفاء‪. ‬
كان صعباً جداً على رامز الذي لا يستطيع الحركة، ويعاني من فقدان شبه كلي للذاكرة أن يصمد وحيداً لولا ما قام به بعض الفلسطينيين في إسطنبول من تناوب على مرافقته أثناء فترة علاجه ومراسلة أهله وتزويدهم بصوره وأخبار علاجه.
عند زيارتي له قالوا لي إنّه لا يتذكر أحداً ولا يستطيع التحدث ولا السماع، فهو قادر فقط على إبصار الناس بصمت، علىٰ عكس وجعه الذي كان يصرخ من كل أنحاء جسده‪.‬
عزّ علي رؤية رامز الشجاع ممدّداً على السرير. لكن، ما إن دخلت عليه وصرخت، حتى سمعني: “رامز، رامز، أبو عماد!”. فتح عينيه ببطء وابتسم وأخذ يحرك رأسه يميناً ويساراً وينادي بلا صوت. نزلت دموع كل من كانوا حاضرين وانحنيت إلى السرير لأحضنه، وقتها أرسلنا إلى أقاربه بُشرى أنّ رامزًا بدأ يستعيد الذاكرة‪.‬
انتهت فترة علاجه وعاد إلى فلسطين بعد صموده في وجه المرض وحيدًا، كما صمد في وجه الصاروخ الذي أصابه.

مريضٌ بالسِّر
اكتشف محمد الذي يدرس الهندسة في برلين أنّه مصاب ببداية عدوى مرض السل ممّا ألزمه المكوث في المستشفى حتى تنتهي فترة علاجه التي قد تطول حسب استجابة جسده للعلاج‪.‬
لم يرد محمد أن يخبر أحداً من أهله بمرضه إلا بعد أن يتعافى منه تماماً، إذ لن يتسبب إخبارهم إلّا بإثارة قلقهم دون امتلاكهم القدرة على مساعدته سوى بالدعاء. وحتى إن كان المرض يستوجب سفر الأهل فمعبر رفح يحول بينهم وبينه دائماً‪.‬‬
كنّا نتراسل يومياً مرتين أو ثلاثا، يُخبرني بتطورات العلاج وما يقوله الأطباء له، بعد ثلاثة أيام من مكوثه في المستشفى اضطر لعمل عملية “منظار” لأخذ عينات من الرئتين والجهاز التنفسي لفحصها. دخل محمد إلى العملية وحيداً وخرج منها وحيداً. تحدّثنا بعد الانتهاء من العملية محاولاً الوقوف بجانبه ولو هاتفياً، لكن جاء السؤال الذي لا جواب له: “هل يعوّض مكان الأم أحد؟”.
خرج من المستشفى بعدها بأسبوع وتحسنت نفسيّته بشكل كبير، ساعد في ذلك وجود طفل سوري يُعالج في نفس المستشفى وللسبب نفسه، قال إن وجود عربي في ذلك الوقت كان من الأشياء التي هوّنت عليه تلك الفترة‪.

كن طبيب نفسك!
‪”‬على الإنسان أن يكون طبيب نفسه في غربته”. هذا ما قالته ليما قطاوي (19 عاماً) التي تدرس العلوم السياسية والعلاقات الدولية في مدينة بدوفا شمال إيطاليا. وجدت ليما نفسها فجأة على سرير المستشفى بعد أن فقدت وعيها نتيجة جرثومة في المعدة والقصبة الهوائية.
لم تقصّر رفيقتها التي كانت معها خلال المرض في رعايتها إلّا أنّها لم تكن كالأم. وهنا تقول ليما: “مكثت في المستشفى خمسة أيام متتالية، أقول في نهاية كل يوم لأمي التي كانت تبكي على الهاتف إنّي سأغادر المستشفى غداً لكي أطمئنها، لكنّ حالتي النفسية كانت تزداد سوءاً يوماً بعد يوم”.
تضيف ليما بعد أن قلّبت ذكريات تمنت ألّا تعود ثانية: “عرض عليّ الأطباء العودة إلى فلسطين المحتلة لأكون بجانب الأهل، لكنّ اقتراب اختباراتي الجامعية كان تحديّاً كبيراً وقتها. لذا تحمّلت مرضي بقدر استطاعتي إلى أن خرجت من جحيم المرض إلى جنة البيت”.

  • نشرت أولا في ملحق شباب السفير هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s