الضياع والحرب في غزة المدينة

خريف عام 2011 كان مدرس الكيمياء يشرح لنا عن المعادلات الكيميائية تارة ويتحدث عن الوضع السياسي للعالم العربي تارة أخرى، ويهاجم من يؤيد “ثورات الربيع العربي” خاصة تلك التي حدثت في ليبيا لأن الأستاذ عصام كان قد عمل مدرسا في فترة من حياته بالجمهورية الليبية وعاش من “نعيم القذافي”، كنت أستمتع جدًا عندما يتحول الحديث من الكيمياء اللعينة إلى السياسة الألعن ولكن لعنة السياسة تجذبني أكثر من بقية اللعنات.

 بعد نقاش طويل عدت إلى البيت وأنا أصارع أفكار تدور بداخلي عن سبب وجودي في القسم العلمي مع أن طموحي لم يكن يومًا دراسة الطب أو الهندسة أو الفيزياء في الجامعة، خياراتي كانت محصورة في الصحافة أو العلوم السياسية. في اليوم الثاني قررت التحويل للفرع الأدبي، حوّلت وأخبرت الأهل لم يعارضوا.

انتهت المرحلة الثانوية وانتقلت للدراسة في الجامعة الإسلامية -خريف العام 2013- في تخصص العلوم السياسية والإعلام بكلية التجارة، خلال فترة الجامعة كُنت أقضي جل وقتي في المدينة وأعود آخر النهار متعبًا للنوم في المخيم، أتاحت لي المدينة التعرف على بقية الناس خارج إطار المخيم والمشاركة في الكثير من الأنشطة والفعاليات المستمرة والانخراط في الأنشطة الطلابية سواء كانت أكاديمية أو غيرها، وبدلًا من مناقشة الأستاذ عصام في القضايا السياسية صرت أناقشها مع مدرسي العلوم السياسية الذين كُنت أجلس ساعة كاملة أستمع لتحليلاتهم خلال اللقاءات التي كانت تضمهم عبر شاشات التلفزيون.

صارت غزة المدينة عبارة عن شوارع متقاطعة أعبرها يوميًا وأحفظ الكتابات الموجودة على جدرانها، مدينة الأحلام” التي كنت أنتظر نتائج الامتحانات في المدرسة لكي أحظى برحلة مع والدي إليها أصبحت عبارة عن مكان مزدحم متعب مليء بفوضى السيارات ومولدات الكهرباء التي لا تنطفئ وتبعث دخانها باستمرار، أنجز محاضراتي وأعمالي بأسرع وقت ممكن لأعود إلى هدوء حارتنا ” بير النعجة” هكذا يسمونها إلى اليوم رغم محاولات أهل الحي لتغييره تارة لـِ “بئر الحنان” وتاره أخرى لحارة “الهوابر” لكن الطبع يغلب التطبع في نهاية الأمر.

خلال الفصل الأول للجامعة حصلت على فرصة التدريب ضمن طاقم فضائية فلسطين اليوم بمكتبها في غزة لمدة ثلاث أشهر قابلة للتمديد في حال أثبت جدارتي، مرت الأيام بسرعة واستمريت في العمل بعد انتهاء المحاضرات الجامعية لقرابة السنة، تعرفت فيها على المجتمع الصحفي في قطاع غزة وعلى الكثير من ضيوف الشاشة ومراسليها. كانت تجربة غنية صنعت مني إنسانًا جديدًا يدرك معنى أن يقضي الإنسان يومه في زحام المدينة متنقلًا بين الجامعة والعمل، والأجمل من ذلك أن يحب كلاهما ولا يمل.

صيف العام 2014 أعلن الجيش الإسرائيلي عدوانه الثالث على قطاع غزة، لتبدأ مرحلة مؤلمة جديدة على سكانه وعلامة فارقة في تجربتي الصغيرة جدًا، هذه الحرب الأولى خارج حدود المخيم، ما أسوأ وجهي على المدينة في أول سنة أمكث فيها أشهد الحرب كاملة في شوارعها.

عملت خلال الحرب مع طواقم القناة لأكثر من شهر ونصف داخل ساحة مستشفى دار الشفاء وسط المدينة بسبب إخلاء مكتبها خوفًا من استهداف الاحتلال له كما حصل مع العديد من الطواقم الصحفية. الكثير من الموت والتفاصيل الصعبة مرت خلال تلك المدة، دوي الصواريخ، أصوات الإسعافات، جنازات الشهداء، بكاء الأمهات أمام ثلاجات الموتى، طال الموت كل شيء في المدينة حتى الجامعة التي أدرس فيها كانت هدفًا لصواريخ الاحتلال وقصفت. صار الموت هو الاعتيادي في غزة وأضحت الحياة مجرد صدفة.

One thought on “الضياع والحرب في غزة المدينة

  1. جمييل جداا..
    ذكرياات ومدوونة تشمل حيااتكك والواقع العملي في مدينتك العزيزة #غزة..
    أجمل شيء عندما قلت من الكيميااء اللعينة الى السياسة الألعن..حسب ما أذكر*
    الجميل في الموضووع امتلاكك للأحلام ومن ثم تحقيقها..❤

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s