ما أكبر المخيم ..ما أبعد المدينة

شمالي مدينة غزة جنوبي فلسطين يقع أكبر مخيمات اللاجئين في قطاع غزة وأكثر الأماكن اكتظاظًا في العالم، مخيم جباليا، ولدت هناك الابن الثاني لأب اسمه محمد وأم اسمها فلسطين، في منزل وسط المخيم أو كما نسميه “معسكر جباليا” تمامًا مقابل “بركة أبو راشد” أكبر معلم في المخيم وهي بركة كبيرة تتجمع فيها مياه الصرف الصحي التي يستخدمها سكان المخيم البالغ عددهم أكثر من108,000  لاجئ، درست الروضة والابتدائية والاعدادية في مدارس تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين “أونروا”، والثانوية في مدارس حكومة أوسلو.

طول هذه الفترة كانت لا تتخطى قدماي حدود مخيمنا إلا نادرًا ، يبدأ اليوم بالذهاب إلى مدرسة الفاخوة التي تقع على أطراف المخيم من خلال شارع رملي محاط ببيارات البرتقال والزيتون على أطرافه وتكون العودة إلى البيت من شارع آخر مرصوف تصطف على جانبيه عمارات سكنية ومحال تجارية مختلفة، طريق العودة كان يمثل الجزء الحديث من المخيم بينما طريق الذهاب كان الجزء الأصيل منه، حفظت شوارعه والكتابات على جدرانه وأسماء عائلاته، حتى الباعة المتجولين في أزقته كنت أميزهم من صوتهم. ليس لنا سوى “قطعة هالمخيم” وليس له سوانا، حتى التنزه كان لا يخرج من نطاقه فالبحر يبعد عن البيت أربعة كيلو مترات فقط أذهب إليه برفقة الأصدقاء مشيًا على الأقدام، وإذا ذهبت مع العائلة نذهب بتاكسي يقوده إحدى الجيران.

كان يعمل والدي في إحدى شركات صيانة السيارات في غزة المدينة، التي لا نراها إلا في المناسبات برفقته أو عندما نخرج في رحلة مدرسية، نذهب بباص من داخل المدرسة ونعود بنفس الباص آخر النهار، فقط والدي كان من يحدثنا عن “المدينة الفاضلة” ويعدنا بأن يأخذنا إلى مطاعمها إذا حصلنا على درجات عالية في المدرسة، نفعل ويفي هو بدوره بالوعد. إلى كنّا نذهب معه إلى ساحة الجندي المجهول وإلى سوق الزاوية “عند محل عمو أبو شادي زوج خالتي الكبرى”، نأكل شاورما من عند الشيخ “أشهر محلات الشاورما في غزة”، نمر على سوق الزاوية لشراء بعض الأشياء، نصلي العصر في المسجد العمري الكبير ونشتري خروب من السوسي “بائع خروب على بسطة قديمة وسط المدينة”، نأخذ سيارة أجرة من موقف جباليا إلى المخيم، أطلب منه “آخر طلب” أن نجلس سوية في المقعد الأول للتاكسي كي أتمكن من رؤية أشمل للشوارع خلال طريق العودة.

في اليوم الثاني أحدث أصدقائي عن “الرحلة إلى غزّة” وأستمر لأسبوع كامل بكامل نشوتي وفرحي، وأعمل جيدًا في دروسي حتى أحصل على رحلة مماثلة إلى أماكم أخرى.

في المدرسة الثانوية بدأت أخرج بنفسي أو مع الأصدقاء عدة مرات خلال الشهر إلى المدينة إما لقضاء حاجة ما أو للتنزه و”الصياعة” بعيدًا عن أعين الأهل، نذهب إلى ساحة الكتيبة التي تقام فيها مهرجانات الفصائل طول العام وبكل الألوان، لنفس البقعة يوجد أكثر أسماء بعدة ألوان حسب ألوان أعلام الفصائل الفلسطينية، إلى جانب “الكتيبة” توجد أكبر ثلاث جامعات في غزة “الأزهر والإسلامية والأقصى” أمر من أمامهم وأتمنى يومًا الدراسة في إحداهما –أكثر صدقًا مع نفسي كنت أتمنى الخروج من المخيم إلى هذه المدينة تحت أي سبب-.

بعد انتهاء التوجيهي “الثانوية العامة” ، سأكون على مقاعد الدراسة في إحدى هذه الجامعات وسيكون الخروج من المدينة هو الشيء الوحيد الذي يشغل تفكيري. (في التدوينة القادمة).

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s