عن بيروت.. العاصمة التي لا تشبه غيرها

مساء يوم الاثنين الأول من كانون الأوّل الماضي هبطت الطائرة في مطار بيروت بعد رحلة استمرت ساعتين بين الغيوم آتية من مطار اسطنبول. استفسر موظف العبور عن سبب خلوّ جواز سفري من أختام إسرائيلية على عكس بقية القادمين من فلسطين (لا تختم السلطات اللبنانية جواز سفر مختوم من قبل الاحتلال). ولما أقنعته أنّي من مواليد غزة ولا سلطة للاحتلال على معبر رفح سمح لي بالدخول لمدة خمسة عشر يوماً فقط.
في صالة الانتظار كان صديقي عبد الرحمن، الذي يعمل في إحدى الصحف اللبنانية، بانتظاري أنا وأصدقاء آخرين. كان اللقاء حميماً بعد آخر مرة تقابلنا في غزة قبل سنتين. وضعنا الأمتعة في السيارة وتوجّهنا إلى النُزل، لنتهيّأ لفعاليات “مؤتمر العودة إلى فلسطين الثاني” صباح اليوم التالي.
لم أحتمل الانتظار حتى الصباح لأرى بيروت التي كانت حلماً. كيف أنام فيها وأنا لم أرَ منها شيئاً بعد؟
قلت لعبد: “بنفع نروح نشوف بيروت في السيارة؟”.
قال: “الساعة صارت ٢ بالليل نام الآن وبعد المؤتمر تشوف كل شي”.
فتحت النافذة التي تُطل على شارع المطار. المنطقة شبه معتمة، تمر سيارة واحدة كلّ خمس دقائق. سألتُ نفسي: أين الناس؟ هل هذه بيروت التي خلتها باريس الشرق؟ هذه المدينة لا يجب أن تنام. نزلت وحدي أتمشى في الشارع، في المقابل كتابات على الجدران كالتي نراها في غزة، لم أعتد على رؤية مثلها بالعربية منذ قدمت إلى اسطنبول للدراسة. في هذا المكان لا احتمال لرؤية شيء جديد من الأفضل أن أذهب للنوم.
في الصباح كانت القاعة ممتلئة بعشرات الأشخاص من أغلب دول العالم يتحدثون بلغاتٍ مختلفة، تجمّعوا في هذه القاعة الكبيرة تحت اسم فلسطين. قلت لنفسي إنّ هذه بداية موفقة لبيروت، أن تجمعني بكل هؤلاء وأن يكون الهدف بيننا مشترك. انتهت فقرات المؤتمر بسرعة وجاء صديقنا أبو كريم عند المساء وأخذنا بسيارته لتناول العشاء. لحق بِنَا عبد الرحمن ومعه أصدقاء آخرون. قلت له: “أبو كريم بدنا نروح ع شارع الحمرا”، وكنت أردّد في صمت أغنية خالد الهبر: “خدني معك وديني ع شارع الحمرا”. ابتسم قائلاً: “ماشي. يلا ع الحمرا”.
وصلنا عند الحادية عشرة مساءً، وكان شارع الحمرا شبه فارغ، على عكس ما كنّا نتصوّره جميعاً. هل هذا أشهر شارع في بيروت؟ فتحت النافذة لأجد حائطاً كتب عليه: “ما حدا أسرع من الكوليرا.. الكوليرا جاي”. أكملت حينها المقطع الآخر من أغنية خالد الهبر: “روح وحدك لا توديني ع شارع الحمرا”.
بعد أيام في بيروت اكتشفت أنّها خدعتنا الكُبرى، مدينة جميلة في مخيّلتنا، لكن واقعها معقد ومقسم بشكلٍ جنوني يصعب على الناس احتماله. مدينة مزدحمة بالسكّان وبالسيّارات كازدحامها بالتقسيمات السياسية والطائفية. قبل أن تنتهي أغنية السيدة فيروز في الـ “فان” تكون قد انتقلت من وسط المدينة إلى خاصرتها، حيث المخيمات الفلسطينية ووضعها المأسوي. في الشارع المقابل صورٌ لرموز الطائفة الفلانية، وعلى بعد خمس دقائق تجد صور رموز الطائفة العلانية.
لم أحتمل كل هذا البؤس في المدينة التي يفترض “أنّها توزع حباً على المشرق كله”. سألت عبد: “امتى بدنا نطلع من بيروت نشوف المدن الثانية؟”.
قضينا الأيام الثلاثة الباقية من رحلتنا خارج بيروت من الجنوب إلى الشمال. كان الجنوب هو الأجمل. شاهدنا شمال فلسطين وزرنا معلم “مليتا” وسمعنا قصص الشهداء. زاد الجنوب جمالاً في القلب أكل أهله الكِرام الطيبين. في أسواق جبيل نسخة أخرى عن أسواق فلسطين المحتلة. في مغارة جعيتا، تشابهت الصواعد والهوابط مع مغارة “هُرُبّة باطن الحمام”، أو “جعيتا فلسطين”، كما نسمّيها. وفي بعلبك شاهدنا “أيّ التاريخ” يصعد نحو السماء.
عُدنا إلى بيروت، “خيمتنا الأخيرة، خيمتنا الوحيدة” و “النافذة التي تطل على رصاص البحر”. ماذا فعلوا بها؟ أم ما الذي فعلت هي بهم؟ لماذا تختلف هذه المدينة عن غيرها؟ مَن يملك جواباً على هذه الأسئلة؟
التقيت أحد الأصدقاء في مقهى في شارع بلس في آخر ليلة أبيتها في بيروت. بعدها جعلت الجامعة “الأميركية” في ظهري ومشيت إلى حيث لا أعرف. اشتريت عصير مانغا من “بربر”، وكان هذا أجمل ما منحتني إيّاه المدينة، إذ لا وجود للمانغا في اسطنبول. ركبت بعدها سيارة الأجرة إلى بيت عبد الذي سيرسلنا صباحاً إلى المطار. في رحلة الطريق دخل السائق في شارع معتم وفاجأني بالقول: “إنت مخطوف، هات المصريات اللي معك ورن ع البابا عشان يجيب فلوس وياخدك”. لا أعرف من أين أتيت بالصوت الذي صرخته عليه وقتها، وأنا أرمي كوب المانغا الذي لم أكمله من النافذة. لا أعرف أيضاً من أين أتتني الحيلة التي أنقذتني، ولولاها لما غادرت بيروت في الصباح.
بعد عام على هذا كلّه يملكني حنين للعودة إلى بيروت مرة أخرى، والمكوث فيها دون غيرها. لا أعرف من أين يأتي هذا الشعور، لكن ما أعرفه أنّ السر في بيروت يكمن هنا. بيروت التي ليست كبقية المدن.

نشرت أولًا في شباب السفير | هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s