حضور اللغة العربية في تركيا.. بين السلطنة والجمهورية

تذكر بعض المصادر أنّ ثلثي مفردات اللغة التركية في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (آخر الخلفاء الفعليين في تاريخ السلطنة العثمانية) كانت مفردات وتراكيب عربية ومشتقاتها. لكن بعد أن انهارت السلطنة العثمانية وقامت الدولة التركية على يد مؤسسها مصطفى كمال أتاتورك، أُصدر القرار رقم 1353، والذي يقضي باستخدام الأحرف اللاتينية في كتابة اللغة التركية بدلاً من الأبجدية العربية والعمل على “تطهير” اللغة التركية من الكلمات الأجنبية، لاسيما العربيّة منها والفارسية. عرف هذا لاحقاً بعبارة “الانقلاب اللغوي”.
على الرغم من تغيّر أحرف الكتابة إلى اللاتينية واستبدال الكثير من الكلمات العربية داخل اللغة التركية بكلمات استحدثت إلا أنها ما تزال عامرة بآلاف المفردات العربية ولا يُمكن الاستغناء عنها، أو تكوين جملتين متتاليتين دون الاستعانة بكلمة عربية واحدة على الأقل، ولا يخلو مثل تركي قديم من الكلمات العربية، وكثيراً ما يسمّي الأتراك أسماء أبنائهم بأسماء عربية أو كلمات اشتقت من آيات القرآن الكريم.
كيف أثر الوجود العربي؟
خلال التجوّل في شوارع اسطنبول لا بد أن يتسلسل إلى أذنيك صوت أحدهم يتحدث بالعربية، أو ترى يافطة كتب عليها إعلانٌ باللغة العربية. يبلغ عدد العرب في تركيا الآن حوالي 2 مليون عربي من سوريا والعراق وفلسطين وليبيا ومصر، إلى جانب الآلاف من الأكراد الذين يتقنونها، زاد من ذلك الإقبال السياحي الملحوظ من الدول العربية، لاسيما الخليجية منها.
أدّى ذلك إلى جعل العربية ضرورة في يوميات الحياة خاصة في اسطنبول والمدن المحاذية لسوريا. يتعلّم أصحاب المحال بعض الكلمات العربية التي تساعدهم على تسيير معاملاتهم مع الزبائن، أو يوظّفون عربياً في المحالت لتسهيل الخدمات على الزبائن وجذبهم، خاصة أن غالبية الباعة الأتراك يتعاملون مع الزبائن من مختلف الدول باللغة التركية فقط ممّا يجعل التواصل معهم صعباً.
دوافع التعلّم
إلى جانب الدوافع التاريخية والثقافية التي تجعل الأتراك يُقبلون على تعلّم اللغة العربية لفهم التاريخ بشكل أوضح وقراءة وثائقه التي كتبت بأحرف عربية، يلعب العامل الديني دوراً مهماً في تعلم العربية لقراءة القرآن الكريم في مجتمع غالبيته العظمى من المسلمين. إضافة إلى ذلك أدى انتشار المدارس الدينية في تركيا، التي تُعرف بمدارس الأئمة والخطباء، إلى ازدياد الإقبال على تعلّم العربية التي تعتبر جزءاً من المقررات الدراسية. ولا يسمح لطلاب العلوم الدينية أن يبدؤوا دراستهم الجامعية دون اجتياز سنة تحضيرية في اللغة العربية، يتعلّمون خلالها مهارات القراءة والكتابة والمحادثة.
بدأت تركيا العام الماضي تدريس اللغة العربية في صفوف المرحلة الابتدائية في مدارسها الحكومية كمادة اختيارية في مراحل التعليم الأساسية كافة. في تقرير سابق ذكرت وكالة “الأناضول” أنّ فكرة تأسيس وسط متكامل لتعليم اللغة العربية على مدار 24 ساعة تراود الأتراك منذ سنوات طويلة، مشيرة إلى أنّ وقف طلاب ثانوية الأئمة والخطباء أطلق في صيف العام الماضي، بالتعاون مع عدد من الجمعيات التعليمية والخيرية في تركيا، مشروع قرية اللغة العربية في ولاية قونيا وسط الأناضول.
تبادل لغوي    
خلال فترة دراستي للغة التركية، تعرّفت إلى فتاة تركيّة تدرس العربية في جامعة إسطنبول. التقيتها في مطعم فلسطيني، في أحد الأحياء التي باتت تُعرف بالأحياء العربية. تحدثنا مطولاً عن لغة الضاد، وأخبرتني عن زيارتها للأردن ضمن برنامج مشترك مع الجامعات الأردنية أعدّه قسم اللغة العربية في جامعتها لجعل الطلاب يتحدثون اللغة العربية مع أصحابها. اتفقنا على أن أعلّمها العربية وتعلّمني التركية. بعد عام ونصف صارت سينام تتحدث العربية بطلاقة، وتميّز اللهجات المختلفة، وغالباً ما تضع على حسابها على “فايسبوك” منشوراتٍ بالعربية.
تختلف توجّهات الأتراك تجاه تعلّم اللغات الأجنبية عامة، والعربية خاصة، بين رافض ومؤيد.
يعتزّ الرافضون بقوميّة لغتهم ويعملون على أن يعلّموها لغير الناطقين بها، أما المؤيدون فيعتبرون أن تعلم اللغات الأجنبية جزء من الانفتاح على العالم، والعالم العربي على وجه التحديد. يحاولون ذلك مرة بعد مرة أو كما يقول المثل التركي المُقتبسة أغلب كلماته من العربية: “et-tekraru ahsen velev kane yüz seksen”، أي التكرار أحسن ولو كان “يوز سكسان” أي ولو مئة وثمانون مرة.

  • نشرت أولًا في ملحق شباب السفير | هنا

 

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s