«شنّار» الشهداء في المخيم

عندما أدار حسن ظهره للفتية المشاغبين الذين تجمعهم لعبة الشنّار («الاستغماية» باللهجة المصرية) كل يوم، وبدأ يسكب الأعداد من فمه ببطء: «واحد، اثنان، ثلاثة، اشردوا.. خمسة»، لم يكن يعلم أنّنا سنتمنى لو أن هذه اللعبة استمرت إلى الأبد. تفرّق الأصدقاء من خلفه لاكتشاف مخابئ جديدة بين أزقة المخيم.
«…ثمانية، تسعة، عشرة». فَتح عينيه واستدار كمن يفتّش عن فريسته المشتهاة، فإذ به يلمح «الصقر» عماد، أسرع هارِبي لعبة الشنار على الإطلاق، بينما يحاول أن يخبِّئ ظله خلف «نخلة أبو أنور»، أطول نخلة في المخيم والذاكرة، يراها القادم من آخره ويأكل من رطبها كل الجيران.
أسرع إلى النخلة ليمسك بأول صيد له، لكنّه فوجئ بقطع التيار الكهربائي في غير موعده. وبينما تحتل العتمة المفاجئة عينيْه الواسعتين وبينما يسرق من أذنيه حساسيتهما صراخ الجيران عند انقطاع الكهرباء أو مجيئها بـ «هييييي»، استغل «الصقر» الفرصة وغيّر مكانه بسرعة من دون أن يلاحظ حسن، لقد نجا هذه المرة بلا شك. بالتأكيد هذه ليست مؤامرة، ولكنّها طبيعة الأشياء. مَن ذا الذي قد يُمسك الصقر؟!
لكن الحظ يومها كان يعاند بشار، هذه المرة كان أول من كشف حسن مكانهم، أي نعم لا أحد كالصقر، ولكن بشار كان أبطأ من العادة، قدمه التي كسرتها له كرة قدم الشوارع في المخيم خانته ببشاعة، وسقط باكراً أمام عيون حسن المتيقظة.

صباح اليوم التالي بينما كان أشقياء لعبة الشنّار يتجهزون في طابور الصباح للصف الثامن في مدرسة الفاخورة باشرت الطائرات الإسرائيلية قصفها على قطاع غزة لتعلن بدء حربٍ استمرّت 22 يوماً لا يمكن اقتلاعها من الذاكرة. لم يخرج الأصدقاء من بيوتهم خلال الأسبوع الأول خوفاً من القصف، اشتاقوا للعبتهم المفضلة. «متى ستنتهي الحرب؟»، ظلٌّوا يسألون بتذمرٍ ورغبةٍ في أن تقلِّب أقدامهم شوارع المخيم. الجلوس في البيت مملّ والحرب مخيفة وهم كانوا يحاربون سأم السلم بلعبة الشنار والآن يودون لو يخفّفون خوف الحرب اللعين بها. إنّها الحرب ولا متنفس إلا ساحة الحارة والشنار ولقاء الأصدقاء.
اتفقوا على الالتقاء عصر يوم الثلاثاء 6 كانون الثاني 2009 للاطمئنان على أحوال بعضهم البعض ولاستئناف اللعب، لكن هذه المرة تحت القصف.
اختار الأصدقاء الساحة الفارغة أمام المدرسة والمكتظة بالنازحين ليلعبوا، محتمين باستحالة استهدافها من الاحتلال، حسب ظنهم. اشترط مصطفى عليهم أن يكون عقاب مفسد اللعبة مضاعفاً: «لو سمعتوا صوت قصف ما حدا يصرخ عشان ما تنكشف الأماكن وخلونا نخلص اللعبة ع خير قبل ما تغطس الشمس في البحر». أجابه عماد بحسم: «أصلاً من وقتيش احنا بنخاف من صوت القصف؟ صرلنا أسبوع تعودنا، يلا أبدوا اللعبة».
هذه المرة كان الحظ يعاند بشار أيضاً، لقد وقعت القرعة عليه ليغمض عينيه ويبدأ بالعدّ. لكن وبينما تفرق الطلاب هاربين كان جيش الاحتلال قد أصدر أمراً بتفريقهم إلى الأبد وسرقة لعبة الشنّار منهم مطلقاً الصواريخ من طائرات الاستطلاع في السماء، ومن المدفعية المتمركزة شرق المخيم، والزوارق الحربية في عرض البحر غربي المخيم في وقتٍ واحد.
ابتلعت حمرة الدم والخوف ساحة المدرسة، صعد ثلاثة وأربعون شهيدًا من أهل الفاخورة والنازحين إليها، وأكمل بشار، الذي يعانده الحظ، إغماض عينيه إلى الأبد، واستمر اختباء عماد، حسن، مصطفى، عاهد، بشير ومحمد فصاروا شهداء. هذه هي الشنار الأبدي التي خصّهم الموت بها، لعبوا ودرسوا سوية. استشهدوا معاً وكانت جنازتهم واحدة، بل وتحولت الساحة إلى ميدان تتوسطه خارطة فلسطين نقشت عليها أسماؤهم يراها كل من يزور «حارة الفاخورة».

في زمنٍ آخر وبعد ست سنوات من المجزرة وفي مواجهة أخرى مع الموت، الموت الذي لا يتوقف ولا ينتهي ولا يغمض عينيه، كان شجعان آخرون يسكنون «حارة الفاخورة» في العشرينات من أعمارهم التي تشابهت بأعمار أشقياء الشنار، بل وحملوا أسماء تشبه أسماءهم وفي إكمالٍ لحتمية الثأر توزعوا فريقين وانطلقوا من ساحة المخيم يلاعبون عدوهم، والموت نفسه، لعبة تشبه الشنار، لكنّهم هذه المرة جميعاً سيبحثون عن عدوهم المختبئ.
تسلل بشير ومحمد وعبد الرحمن من نفق أرضي إلى «موقع الـ 16 العسكري الإسرائيلي»، شمال شرق المخيم، من حيث قصفت المدفعية مدرستهم قبل ستة أعوام. خاض بشار وعاهد وإبراهيم عباب البحر، داسوا على الموت في موقع «زيكيم» العسكري غرب المخيم حيث الزوارق التي قصفت المدرسة. اقتحم الفريقان موقعين للاحتلال وأطلقوا رصاصهم وقنابلهم في مرمى الجنود واستشهدوا على أرض حلموا كثيراً بزيارتها. هذه المرة لا اختباء في شنّارهم، وجثامينهم المحتجزة إلى الآن في انتظار موعد قريب ليشيّعوا فيه من ساحة الفاخورة بعد أن كانوا أوفياء لعهد أصدقائهم. لا أحد بإمكانه أن يختبئ من شباب المخيم إذا تركوا الاختباء ولاحقوا عدوهم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s