نظرة المغترب المقيم للّاجئ الجديد

يصعب إنهاء التقسيمات الطبقية التي تظهر في مناطق الصراع والحروب، حتى بعد جيل أو جيلين، فعلى الرغم من مرور سبعة عقود على نكبة فلسطين تقريباً، بعض عائلات المدن الفلسطينية التي لم تهجّر ما تزال ترفض زواج بناتهم من أبناء المخيم، لكونهم نشؤوا في بيئة أخرى.
انتقلت هذه العادة أيضاً مع اللاجئين الفلسطينيين إلى الدول العربية المجاورة، فالفلسطيني الذي استقر بالعاصمة في سبعينيات القرن الماضي بعد أن أنهى دراسته، يرفض أن يزوج ابنته لشاب قادم من المخيم، مع أنّه لا فرق بينهما سوى جيل واحد.
تنخر هذه التقسيمات الناتجة عن الحروب تركيب المجتمع، وتؤثر في حياة الفرد ملازمةً آلامه، لأنّ صفة “لاجئ” تلاحقه حتى بعد اندماجه في المجتمع، ولا يستطيع الهرب منها في حال أراد، وذلك لمجرد العيش في بقعة أخرى مدفوعاً بالحرب، وكأنّ الخروج من الوطن أمر هيّن.
ملايين اللاجئين الفارين من الشرق الأوسط نتيجة الصراعات، بدؤوا كالفلسطيني الذي يعيش انعكاسات هذه التصنيفات وما يتشكّل عنها من أفكار نمطية وتصرفات عنصرية منذ عقود. بدؤوا في التعرض للتجربة ذاتها، حيث تصدّعهم التصنيفات إلى جانب نظرة عنصرية من جزء من المواطنين إليهم.
يُلاحظ مؤخراً بعض السلوكيات التي يقوم بها المقيم الأجنبي تجاه اللاجئ في البلد نفسه، وهما قد يكونان من الموطن الأصلي نفسه، حيث يحاول المقيم التمييز بينه وبين اللاجئ، كما يستعلي عليه مُولّداً شعوراً بالأفضلية عند من هم حوله من مواطني البلد المضيف، وكأنّ هناك فرقاً بين خيمة وخيمة.
دعاء محمد (24 عاماً) طالبة سورية تدرس في مدينة إسطنبول، تقول: “عندما أتعرّف إلى أصدقاء أتراك داخل الجامعة أو خارجها يسألني البعض عن الوضع في سوريا وكيف تغيّرت حالتي بعد اللجوء إلى تركيا؟ أحياناً يحاول بعض العنصريين منهم أن يبدأ بلوم العرب عموماً واللاجئين خصوصاً بسبب دخولهم إلى سوق العمل وحصولهم على بعض الميزات التي لا يستطيع المواطن التركي الحصول عليها”.
تضيف دعاء بأنّها تجد نفسها مضطرة للقول بأنّها ليست لاجئة أو ضمن بند الحماية المؤقتة الخاص بالسوريين في تركيا، بل تدرس على نفقة والدها المقيم في إحدى الدول الخليجية، وتذهب لزيارتهم بعد انتهاء كل فصل دراسي. تقول: “أحاول أن أوضح لهم الفرق بين الحالتين، هذا يحصل رغماً عني ولا أعتبره عنصرية”.
عمل المهندس الفلسطيني محمود عايش (27 عاماً) في إربيل ثم انتقل إلى تركيا باحثاً عن عمل، لكنّ الظروف حالت دون ذلك فاضطر إلى مغادرتها لاجئاً إلى أوروبا برّاً إلى اليونان، ثم انتقل لألمانيا إلى أن استقرت رحاله في بلجيكا بعد رحلة طويلة.
المهندس الشاب الذي لاحظ هذه التقسيمات بين اللاجئين في محطاته الأربع، يرى أنّ بعض اللاجئين ينجر إلى التصريح بهذه التصنيفات بسبب ما يشاهده من أفعال سلبية تقوم بها نسبة قليلة من اللاجئين الذين تدفعهم الظروف لذلك لاسيما اليونان. ويوضح السبب بقوله: “عندما يصل اللاجئ لليونان تكون أمواله نفدت من جراء ما يدفعه من تكاليف للمهربين وما يصرفه، ممّا يضطر بعضهم إلى ممارسة أعمال غير مشروعة، الأمر الذي ينعكس بدوره سلباً على سمعة اللاجئ بشكل عام، هذا يجعل البعض الآخر منهم يسعى إلى نفي التهمة عن نفسه لكي لا يضعه المواطن في الخانة نفسها التي يضع فيها ذلك الذي عمل في المحظورات.
تعتقد الباحثة أماني السنوار أنّ هذه التصرفات لا تعتبر ظاهرة مكتسحة في مجتمعات الغربة، بل سلوكيات يمكن رصدها بوضوح، وترى السنوار “أن السبب في ذلك متعلق بالمقيم نفسه الذي يعتقد بأنّه بذل جهداً كبيراً للاندماج بالمجتمع المضيف، فيما حصل اللاجئ على كل شيء بالمجان، إضافة إلى أن المقيم ما زال يعاني مشاكل الاندماج والرفض من قبل المجتمع المضيف، ويرى بوجود اللاجئين تحدياً جديداً يعقّد من مسألة قبوله وذوبانه”.
تعتبر السنوار أنّ أزمة اللجوء السوري كشفت عن اختلال كبير في الوعي بقضية اللجوء بسبب الإخفاق في التوطئة لها، وتقول: “في تركيا مثلاً منحت الدولة اللاجئين حقوقاً أكثر من بقية دول الجوار السوري، ومن جهة أخرى عجزت عن أنسنة قضيتهم داخلياً وتهيئة الرأي العام لتقبل وجودهم”، وتستدل على ذلك بالآلية التي صدّر فيها الإعلام التركي قضية اللاجئين وتضيف: “الإعلام الرسمي استغرق في ذكر قضية اللاجئ السوري بلغة مخاطبة الغرب وأغفل خطاب الداخل، وبالغ في تصوير اللاجئين كعبء ثقيل، الأمر الذي انعكس على المواطن التركي في الداخل بصيغة رفض وتذمر واعتقاد أن اللاجئ يمتص حقوقه”.
نتيجة للأسباب السابقة كلّها، “صارت الصورة النمطية لأي عربي مقيم في تركيا في أذهان الشريحة الكبرى من المجتمع أنّه شخص كسول متعطش للمساعدات”، كما تقول الباحثة السنوار، التي تضيف: “الأمر الذي يدفع المقيم في تركيا لأن يحرص على نفي كونه لاجئاً، ويصرّ على اختلافه عن اللاجئين، وربما تأكيده المبالغ فيه هذه الحقيقة”.

  • نشرت في ملحق شباب السفير أولًا | هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s