وجوه تركية !

ثلاث سنوات ونصف على الحياة في إسطنبول، تعرفت فيها على الكثير من الناس وقابلت وجوه من مختلف الثقافات والدول، بقي بعضهم عالقًا في الذاكرة، أذكر هنا بعضها فتفضلوا بالتعرف على أصحابي !

بحريصديقي الغريب من مدينة ريزا ويدرس الهندسة في إسطنبول

هل قرأتمالضوء الأزرقلحسين البرغوثي ؟ هل ما زلتم تتذكرونبرّيصديق حُسين التركي من قونيا ؟ بحري هو برّي الذي في حياتي، يتقاطعان بشكل غريب، صديقي بحري يا أصدقاء لا يتلفظ بألفاظ نابية ويغضب عندما أتلفظ بها أمامه لكنه يدعوني دائمًا لتجربة التدخين ويسخر مني عندما أخبره بأنني أكتفي بشرب الأرجيلة، يؤمن بأنللأولياء الصالحيندور في تسيير الخير والشر في هذه الدنيا ويزور قبورهم باستمرار ويدعو لهم ويطلب من الأحياء منهم أن يدعوا لهليس لديه صداقات من الجنس الآخر لحرمانية الأمر، لكنه يعلق في عنقه حجاب فيه دعاء كتبه له شيخه ويعتقد أنه هذا الحجاب هو سبب نجاحه في حياته

نصحني ذات مرة بتدوين ملاحظات على ورق صغير لإخراجها في الامتحانات، ولم يسمِ هذا غُش أبدًا، بل إنه اشترى ساعة سامسونج الذكية وحمّل عليها كتاب اللغة الإنجليزية كاملًا ونجح في الامتحان بسببها.

أغيب عنه لأشهر طويلة، ثم أعود وأجد أفكاره أصبحت مجنونة أكثر، يحب بل يعشق فلسطين ويشارك في كل الفعاليات التي تُقام لأجل فلسطين في إسطنبول، أهديته مرة كوفية فلسطينية ما زال يرتديها في كل المناسبات، ودائمًا ما يناديني بـأخي الأكبرحبًا واحترامًا لكنه وبرغم علاقتنا القوية عرّفني على أحد أصدقائه وقال لهم، هذا ياسر صديقي من باكستان. ! ! 

رُباشاالجميلة التي جاءت من بين ثلوج مدينة ڤان لتُعذب قلوب أهل إسطنبول

بدأ الطلاب بتعريف أنفسهم في اليوم الأول في الفصل الدراسي، وعندما جاء دورها وقفت وقالت: “رُباشامن .. قاطعتها المدرسة وقالت: من ڤان .. أليس كذلك ؟ عرِفت من لون عينيك، قالت المُدرسة.

بحث على الإنترنت مباشرة عن ما يميز عيون سكان مدينة ڤان التركية فوجدت أن عيونهم دائمًا ما تكون زرقاء أو خضراء ويوجد الكثير منهم من لديهم عين زرقاء وأخرى خضراء، جئتُ ذات مرة لاحقًا لأخبر صديقي أرطوغول بإعجابي بها فسبقني هو بذلك وقال لي أنه يبحث عني ليُخبرني بأنه مُعجب بها وبدأ بالتحدث معها قبل فترة وأن علاقة ما بدأت تنضج بينهما،  فابتعدت.

ثم عاد بعد أشهر وأخبرني بأني الوحيد الذي أعرف ذلك، وأنه علي نسيان الأمر لأن كل شيء بينهما انتهى.

وقتها بدأت تخرج رُباشا في كل الأماكن أمامي دون أي حديث غير أنها وجدتني أدرس مرة وتمنت لي النجاح ثم اختفت، تعود وتظهر أمامي بشكل مفاجئ في أماكن مختلفة لم أتوقع أن أراها فيها هذا غير الصُدف اليومية في حرم الجامعة، كان آخرها وأنا أكتب هذه التدوينة على هاتفي خلال سيري في شارع أدخله لأول مرة، رفعت عيني لأنظر للطريق فوجدتها أمامي ترتدي كوفية فلسطين التي شاهدتها فيها صدفة أيضًا في المسيرات التي خرجت ضد قرار ترامب بشأن نقل سفارة الولايات المتحدة إلى القدس.

كم تمنيت لو أني من أهداها هذه الكوفية، بدل ما أهديتها لبحري ! وبينهما فرق كبير، على أي حال سأخبر بحري بذلك قريبًا وأسمع رأيه فلربما هناك شيء ما أجهله ويعلمه الأولياء الصالحون الذين يدعون له.

رؤوف : الشاب المُلحد الذي أصبح إمامًا لمسجد الحي

عبد الرؤوف، شاب هولندي من أصول تركية كان رفيقي في الغرفة ذات مرة، يُصلي طوال الليل ويشاهد الحضرات الصوفية باستمرار على يوتيوب ويشرب كميات كبيرة جدًا من البيبسي، يدرس رؤوف الإلاهيات والعلوم الدينية في جامعة إسطنبول، والده شيخ الطريقة الصوفية في هولندا، نظرته إليّ كانت دائمًا كأنه ينظر إلى كافر، فدائمًا ما تشاجرنا معًا حين يشاهدني أرتدي شُرط قصير قبل النوم في صيف المدينة الحار، أو لا أستيقظ لصلاة الفجر كما يفعل هو ويحذرني دائمًا من نار الآخرة، يتحدث العربية بشكل جيد ويصرخ في وجهي بصوت مرتفع ويقولاتقِ اللهعندما أستمع لأغنية دون أن أضع السماعات في أذني

يذهب كل ثلاثاء إلى حي يني بوسنا في إسطنبول ليمارس طقوس التصوف مع مشايخه ومشايخ والده الذي يلعب دور شيخ الطريقة في هولندا، وخلال نقاشات طويلة بيننا حاوت أن أقنعه بأن الأمور التي يركز عليها هي قشور ولا تعني شيء من جوهر الإسلام، مع الوقت أبدى لي أنه اقتنع وفتح لي قلبه ذات مرة وأخبرني بأيام الظلال التي عاشها من مدمن لتدخين الحشيش في هولندا وكيف تاب عندما أرسله والده لتعلم الدين والعربية في إسطنبول حتى أصبح إمامًا للمسجد الصغير في الحي الذي نسكنه.

نجحت مع الوقت ان أقنعه بالاعتدال وعدم التطرف في الأفكار حتى بدا لي كذلك، لكن في اليوم الأخير بالسكن معه وقبل الانتقال لبيت جديد، قال لي : ابتعد عن المعاصي يا كافر .. سألته بابتسامة : وما هي المعاصي يا رؤوف ؟ قال : ارتدي بنطلون طويل وقت النوم

هاكّان :  طالب بكالوريوس وتاجر سيارات من سامسون.

تعرفت على هاكان خلال الانتقال لسكن إحدى الجماعات المُتدينة التي تحتضن الطلاب في المدينة، كان هو المسؤول عن الغرفة التي نسكن بها حسب نظام السكن الداخلي، لطيف لأبعد الحدود وفيه شيء ما يشبهنا يُشعرني دائمًا بأنه صديق قديم لي، عندما سألته عن ذلك، سألني .. هل أنا أول صديق لك من سكان “الكارا دينيز” أو المدن التركية المُطلة على البحر الأسود ؟ أجبته بنعم، قال هذا هو المختلف في الأمر.

يحرص على أن يستمع كل ليلة لخطابات الرئيس أردوغان التي ألقاها خلال اليوم ويصفق له بعد كل تصريح يعجبه حتى وإن كان مُسجل، وينادي دائمًا “ريّس .. ريّس”، سألني مرة عن الحرب في غزة فأخبرته بأعداد الشهداء والجرحى، فسأل والحُزن واضح على وجهه: هل كل هؤلاء مسلمين ؟ قلت له أنه يوجد من بينهم مسيحيين فالاحتلال لا يُفرق بين أحد حين يقتل، فكانت ردة فعله على غير المتوقع “انس الأمر، لا يهمنا أمر الكفار” ويقصد بذلك المسيحيين.

يعمل والده في تجارة السيارات، ويدرس هو في إسطنبول فيشتري كل أسبوع سيارة ويعود بها إلى سامسون ليل الجمعة ويعود بسيارة أخرى صباح يوم الإثنين يبيعها في إسطنبول ويُكرر نفس الأمر على مدار العام الدراسي.

صيف العام ٢٠١٧ جاء هاكان إلى الغرفة وأحضر معه شجرتين صغيرتين، قال أنه علينا الاعتناء بهما وعلينا أن نطلق على كل واحدة منهما إسمًا، سمّيت الأولى “سوسن” وسمى هو الثانية “برنسيس”، سقيناهما بالماء في اليوم الأول، وإذا به ينادي علي صباح اليوم الثاني ويحاول إيقاظي من النوم ويقول : “اصحى ياسر .. اصحى .. سوسن ليست هنا” صحيت مذعورًا من صوته وحاولت استجماع اللغة التركية التي أنساها وقت النوم، وقلت له : “مين سوسن ؟ ” فعلًا .. كنت نسيت أمر الشجرتين تمامًا وظننت أنني أحلم فقط .. من هذه سوسن التي هربت مننا !

ضحكنا كثيرًا عندما استدرك أن عامل النظافة أخذها من الغرفة ونحن نائمان وأنّي ظننت أنها فتاة، ومنذ ذلك اليوم كلما نتحدث في الهاتف، يسألني عن ما هي أخبار سوسن وهل ارتبطنا أم ليس بعد !

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s