عن دار ستي وسيدي

سِتي .. سميحة، هو اسم جدتي لأبي، وهي السيدة المعروفة بقوة عزيمتها على مواجهة الحياة، الحاجة أم رياض علم من أعلام مخيم جباليا، ربّت أولادها وبناتها على حتمية المواجهة مع الحياة رغم ما سيواجهونه من تعقيدات، لها من الأولاد ثلاث أصغرهم والدي ومن البنات سبعة سمّت إحداهنعمادلأنها كانت تحب أن يكون لها ولدًا يحمل نفس الإسم، تزوجوا جميعهم فأنجبوا الكثير ممن يترحمون عليها مع مرور الزمن، متوزعين على خارطة غزة من شمالها حتى جنوبها.

ليس لي معها الكثير من الذكريات ولا تجمعني بها سوى هذه الصورة لكن لا أذكر أن جلسة في بيتنا أو عند أقاربنا مرت دون ذكر اسمها أو ذكر نفر من الحضور أحد أمثالها التي كانت تُدلي بها في كل المناسبات.

يعرفها مقاومي الانتفاضة الأولى في مخيم جباليا، الانتفاضة التي انطلقت شرارتها من أمام بيتنا صباح التاسع من كانون الأول من العام 1987، واستشهد فيها جارنا حاتم السيسي، كان هذا أمام بيت ستي التي آوت المطاردين وخبأتهم من الاحتلال في عيونها، عن ذلك يُخبرني أحد المدرسين الذي درسوني في مدارس المخيم ويقول: “من لا يعرف سميحة عاشور لا يعرف مخيم جبالياسيدة قوية بكل ما تحمل كلمة قوية من قوة، وتروي أُمي بالقول عنها يوم أن وضعت مولودها الأول وكانت في العشرين من عمرها، صرخت ستي في غرفة الولادةخاروف ..خاروفمما أثار ذعر أمي التي ظنت أنها وضعت خاروف حقًا، لكن كانت تقصد جدتي أنه سمين، طفلٌ ولد وزنه خمسة كيلوات.

كنت أعتقد أن الرجال لا يبكون ولم أشاهد والدي يبكي من قبل إلا حين شاهدته يبكي لأول مرة أمامنا يوم سمع بخبر وفاة أمه، كان لتوه عائدًا من زيارتها في مستشفى دار الشفاء بغزة، عرفت وقتها كيف يصبح الرجل طفلًا أمام أمه، كنت في التاسعة من عمري يوم وضع والدتي أمه في قبرها وقرأ عليها السلام وأخذ آخر قُبلة، ثم تماسك نفسه أمام المعزين وبدا كأنه صلبًا من جديد، ثلاثة أيام وانتهى بيت العزاء وعاد الناس إلى بيوتهم وبقي بيت جدتي فارغًا إلا من سيدي الحاج صُبحي.

سيدي.. صبحي، هو جدي لأبدي، الحاج أبو رياض صاحب أطيب قلب في مخيم جباليا، طيب القلب خفيف الروح حبيب قلب  رفيقته سميحة التي لم يتحمل فراقها وبقي على شوق لها إلى أن تُوفي بعدها بأربعة أشهر خلال إجرائه عملية قلب مفتوح في القاهرة التي دُفن فيها فقد حال إغلاق معبر رفح يومها دون دفنه في فلسطين، قالوا يومها أن إكرام الميت دفنه، فدفنوه في مصر وأقاموا له بيت عزاء هناك، وعزاء آخر أمام بيته في مخيم جباليا وعزاء ثالث عند إخوته وأقاربه قي مخيم يبنا جنوب غزة حيث منعهم إغلاق الاحتلال لحاجز أبو هولي من الوصول إلى جباليا، فكان إكرامه !

انتهى العزاء الثاني وصار بيت ستي فارغًا إلا من الذكريات، بعدها شاهدت والدي يبكي للمرة الثانية وهن يردد أغنية صباح فخري في ساحة الداردار يا دار يا دار .. يا دار قوليلي يا دار .. راحو فين حبايب الدار

رحل الحاج صبحي بصمت كما عاش بصمت راضيًا بكل القدر، ورحلت سميحة قبل 14 عامًا ومازال أخي الأكبر يزور قبرها إلى اليوم، قبرها الذي طلبت أن يكون على حافة المقبرة حتى لا يضيق صدرها إذا كانت في الوسط بين آلاف الموتى، هذه فلسفتها مع الموت فكيف كانت فلسفتها مع الحياة ؟

لروحها الرحمة إلى الأبد !

One thought on “عن دار ستي وسيدي

  1. رحم الله احباءك واحبائنا جميعا
    مع الاسف الشتات هو سمتنا نحن الفلسطينين وخاصة الغزاوية

    إعجاب

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s