العودة إلى فلسطين في مسيرتين

مسيرات العودة الكبرى

اعتبرت المواجهة الكُبرى والثانية من نوعها في العقد الأخير، التي يخرج فيها الفلسطينيون بالآلاف إلى الحدود مع فلسطين المحتّلة مطالبين بحقّ العودة إلى قراهم ومدنهم التي هُجّروا منها عام 1948. كانت قد سبقتها مسيرات العودة إلى فلسطين في مايو 2011، وعرفت وقتها بالانتفاضة الفلسطينية الثالثة، حين تجمّع الآلاف من الفلسطينيين في ثلاثين نقطة على الحدود مع فلسطين المحتلة حاملين آمالهم بالعودة إلى فلسطين المحتّلة.

وما بين المواجهتين شنّ الاحتلال الإسرائيلي على قطاع غزة حربين طاحنتين، غيّرتا معالم القطاع  بدءا من شلالات الدم في الطرقات، إلى ازدياد المعاناة في القطاع بسبب تدمير البنى التحتية، وانتهاء بالحصار الثلاثي الخانق الذي يتفاقم سوءا يوما تلو الآخر.

عوامل مختلفة دفعت بغزة لتبادر منفردة بإلقاء عود الثقاب في وجه الاحتلال معلنة صرخة لتُسْمِع وتحثّ كل من حولها للمشاركة في هذا الحِراك وإسناده. وكان أبرز هذه العوامل:

تراجع القضية الفلسطينية عن الساحة العربية والدولية، إذ تزامن ذلك مع الحديث الذي بدأ يتضح أكثر حول صفقة القرن وما سبقه من خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في ديسمبر 2017 حيث اعترف خلاله بالقدس المحتلة عاصمةً لإسرائيل ووعد بنقل سفارة بلاده إليها

من ناحية أخرى كان لاشتداد الحصار على غزة دورا في إشعال النار بصدور الغزيين لاسيما بعد أن وقّعت حركتي فتح وحماس اتفاقًا جديدًا للمصالحة الفلسطينية في القاهرة، فبنى الناس آمالهم عليه ،ولكنها لم تلبث حتى تهاوت، وخلافاً لذلك، ازدادت العقوبات التي تفرضها السلطة الفلسطينية على القطاع، مما أجج النار في الصدور الغزية أكثر.

هذه العوامل وغيرها تزامنت مع اقتراب الذكرى السبعين لنكبة فلسطين حيث يطبخ العالم طبخته لتصفية هذه القضية وإعادة رسم المنطقة من جديد، تحرّك الشارع ليقول كلمة (لا) بصوت مرتفع، ودعمته الفصائل الفلسطينية على اختلافها في حراكه السلمي الذي نجح في إعادة لفت الانتباه إلى القضية الفلسطينية وحصار الناس في غزة

بين مسيرتين

ما بين مسيرتي العودة في مايو 2011 ومسيرة العودة الحالية العديد من العوامل والظروف المختلفة التي ساعدت في تحريك الجماهير نورد هنا بعضًا منها.

تزامنت مسيرة العودة في 2011 مع اشتعال الثورات العربية التي تكللت بداياتها بالنجاح في كل من  تونس ومصر، وكانت هتافات المتظاهرين ترنو نحو فلسطين، وتلوّح أعلامهم عاليًا في الميادين، فالأمل كان في عِزّه والأحلام كادت أن تُصبح حقيقة.

ابتدأت المسيرة بتجمع الفلسطينيين الذين يحركهم حُلم العودة إلى بلادهم في ثلاثين نقطة على الحدود مع فلسطين المحتلة في الداخل المحتل والضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة، بالإضافة إلى نقاط التماس في مصر والأردن وسوريا ولبنان. وفي ذلك الوقت، نجح المتظاهرون على الحدود السورية مع الجولان المحتل في الدخول إلى بلدة مجدل شمس، ولامست أقدامهم أرضَهم المحتلة لأول مرة، ولكن الاحتلال أصاب أربعة منهم بنيرانه فاستشهدوا.

أما في غزة، حاول الغزيون الدخول إلى فلسطين المحتلة من خلال بوابة بيت حانون، ولكن الاحتلال قابل إرادتهم بالرصاص الحي، فأسقط شهيدًا وأصاب عشرات الجرحى. الأمر نفسه تكرّر عند حاجز قلنديا عندما حاول الفلسطينيون في الضفة الغربية العبور إلى القدس المحتلة رافضين حواجز الاحتلال التي قطّعت أوصال البلاد.

واستشهد عشرة من أصل خمسين ألف متظاهر خرجوا للعودة إلى أراضيهم المسلوبة، في مارون الراس، جنوبي لبنان، شمالي فلسطين المحتلة. وفي مصر والأردن، تصدت قوات الأمن للمتظاهرين قاطعين الطريق أمام الناس بالوصول إلى نقاط التماس مع جنود الاحتلال والعودة إلى ديارهم.

أما اليوم، فخرج عشرات الآلاف من الغزيين على الحدود الشرقية للقطاع منذ الثلاثين من مارس الماضي في ذكرى يوم الأرض الفلسطيني للمطالبة بالعودة إلى ديارهم المحتلة، يُكثفون تجمعهم في كل يوم جمعة وصولًا إلى المسيرة الكُبرى في ذكرى النكبة السبعين، معبرين عن تمسكهم بالعودة بشتى الطرق السلمية ومبتكرين أساليب جديدة في الاحتجاج.

وعلى النقيض تمامًا، جاءت هذه المسيرات بعد هزيمة الثورات العربية أمام بطش أنظمتها، فميدان التحرير الذي شهد مظاهرات إحراق العلم الإسرائيلي وقت الثورة وطرد سفير الاحتلال، يشهد أحد أشهر فنادقه هذا العام احتفالية بالذكرى السبعين لإقامة دولة الاحتلال،  بالإضافة إلى إنشغال كل عربيٍ في قضاياه المُتشعبة، وازدياد الخناق حول فلسطين، وانتشار الحديث حول صفقة القرن التي ستغير وجه الصراع مع الاحتلال وتعمل لصالحه.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

السلمية التي لا تعجبهم!

استُثنيت المقاومة السلمية حينما يدور الحديث حولالمقاومةفي غزة، اقتصرت على المقاومة بالسلاح والسلاح فقط، خاصة بعد الأداء الذي قدمته المقاومة في غزة خلال الحروب المتتابعة وما نتج عنها من تغيير لقواعد الاشتباك مع الاحتلال ومفاجأته بقدرات المقاومة العسكرية المتنوعة؛ من اتساع مدى الصواريخ التي وصلت تل أبيب لأول مرة وقصفت القدس المحتلة، إضافة إلى عمليات الاقتحام المختلفة مثل كرم أبو سالم وزيكيم وأسر جنود الاحتلال. كل هذا صار حكراً على غزة وحدها، حتى صار البعض يتحدث بأن المقاومة السلمية لا تكون إلا في الضفة والداخل المحتلين، ولتكتفي غزة بالإعداد للحرب القادمة.

لكن مسيرات العودة الكُبرى شكلت علامة فارقة في المقاومة السلمية، فأبدع الناس في طرق الاحتجاج، من خلال الاعتصام في خيام تحمل أسماء قرى فلسطين المحتلة، وممارسة أنشطة الحياة اليومية بداخلها وإحياء مختلف التراث الفلسطيني في ساحات المخيمات التي أقيمت قرب الحدود.

هذا بالإضافة إلى أساليب جديدة للمقاومة السلمية نفذها المتظاهرين، من استخدام الإطارات المشتعلةالكوشوكلتشتيت قناصة الاحتلال عن إصابة المعتصمين، فتصدرت صورهم الصحف العالمية مخبرة العالم بأن هناك شعب يشعل الدخان عاليًا في السماء ليرى العالم مأساته. وبعد ذلك اتجه الشُبان لإرسال طائرات ورقية محملة بمواد حارقة تُشعل النيران في الأحراش المزروعة في المستوطنات المحاذية لقطاع غزة، وتشكلت فرق شبابية لإطفاء قنابل الغاز التي يطلقها الاحتلال على المتظاهرين السلميين.

نجحت غزة بهذه الوسائل أن تعود إلى الساحة من جديد من خلال المقاومة السلمية التي صدّع العالم رؤوس الناس في غزة بها، فهل يلتفت العالم إلى الراغبين بالعودة إلى ديارهم من تحت الحصار ؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s