الأرشيف الفلسطيني .. من ينقذ ما تبقى ؟

تنشط مبادرات للبحث عن الأرشيف الفلسطيني وتجميعه من شتاته، في محاولات لحفظ التاريخ من سطو الاحتلال الإسرائيلي على الذاكرة ومن غُبار الزمان، كما توجِد مراجع للباحثين في تاريخ الصراع مع الاحتلال والحياة الاجتماعية للشعب الفلسطيني.

منذ احتلال فلسطين عام 1948 حتى اجتياح بيروت في 1982 سرق الاحتلال الإسرائيلي نحو 38 ألف فيلم، و2.7 مليون صورة، و96 ألف تسجيل، و46 ألف خريطة وصور جوية من أرشيف الفلسطينيين، ووضع بعضها في أرشيف “الجامعة العبرية”.

تعتبر مكتبات العائلات والكتاب والأدباء الفلسطينيين من أهم ما تمت سرقته، كالمكتبة الخاصة لخليل السكاكيني، ومكتبة آل نشاشيبي عدا عن مكتبات ووثائق الهيئات الفلسطينية العامة، والمدارس والكنائس، التي تم حفظها في مخازن “المكتبة الوطنية الإسرائيلية” في القدس، التي تحتوي على أكثر من 8000 كتاب وضع عليها الحرفان AP ، اختصارا لعبارة “ممتلكات متروكة” (Abandoned Property).

كذلك تمكن عمال “المكتبة الوطنية الإسرائيلية” من جمع 30 ألف كتاب وصحيفة ومجلة في موضوعات مختلفة كالقانون والأدب والشريعة والعلوم تركها وراءهم سكان القدس بين أيار 1948 ولغاية نهاية شباط 1949.

ومن أهم ما استولى عليه الاحتلال محتويات “مركز الأبحاث الفلسطينية” الذي أسسه الدكتور فايز صايغ في شباط 1965 بقرار من “اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير” لتغطية الصراع العربي الصهيوني بدراسات علمية ومعلومات صحيحة، والعمل على جمع الوثائق المتعلقة بالقضية الفلسطينية.

 وأسفرت سرقة المركز عن استيلاء “إسرائيل” على جميع مقتنيات مكتبة مركز الأبحاث، التي تحتوي على مئات الكتب النادرة والمراجع والمخطوطات الثمينة، بالإضافة إلى مقتنيات الأرشيف من ملفات وأشرطة “ميكرو فيلم”، إلى جانب مصادرة آلات تصوير وأجهزة تسجيل وأشرطة مُسجلةٍ كتاريخ شفوي، كالتسجيلات الصوتية مع ضباط فلسطينيين شاركوا في أحداث أيلول 1970 في الأردن، وتسجيلات صوتية مع أعلام الثقافة الوطنية الفلسطينية. لتكون هذه الحرب معلنة ضد الذاكرة ومع “الورق”، أداة لإخفاء ما تبقى من أرشيف الفلسطينيين، يعوّل الاحتلال في ذلك على الوقت الذي سيرحل فيه من شهدوا بأعينهم على أكبر سرقة للأرض في التاريخ الحديث.

مع ذلك، ظلت ذاكرتهم تحارب محاولات التزوير وطمس الهوية إلى اليوم، وتواجه بوعي جمعي حملات التشويه والأسرلة التي انتهجها الاحتلال لطمس الحق الفلسطيني بالأرض بطرق شتّى.

لذلك، كان لا بد من أرشيف يحفظ تاريخ الشعب الفلسطيني ومراحله في النضال، فالذاكرة الشفهية لا تكفي في صراع الأرض، لأن المعركة مع الاحتلال لا تتوقف عند السلاح فقط، خاصة أن الحفاظ على الإرث التاريخي لا يقل أهمية عن غيره من أساليب المقاومة.

مُبادرات لحفظ الأرشيف

عملت مبادرات بعد اجتياح بيروت على استعادة الأرشيف الفلسطيني وتجميعه وحفظه للتاريخ، كانت أبرزها المفاوضات التي جرت بين منظمة التحرير الفلسطينية و”إسرائيل” لتبادل أسرى إسرائيليين بأسرى فلسطينيين وموجودات مركز الأبحاث الفلسطيني المسروق من بيروت، واستجابت “إسرائيل” لذلك وتم التسليم عن طريق الصليب الأحمر في الجزائر عام 1983.

كذلك أنشئت العديد من المشاريع التي كرست جهودها للعمل على حفظ الأرشيف الفلسطيني، منها موقع فلسطينفيالذاكرةالذي تأسس عام 2000 ويعتبر من أكبر وأهم المواقع الفلسطينية على شبكة الإنترنت ويركز على التأريخ الشفوي للنكبة الفلسطينية، ومشروع  “الأرشيفالرقميفيجامعةبيرزيت الذي يصدر باللغتين العربية والإنجليزية في مسعى  لتحرير الوثائق الفلسطينية والحفاظ عليها على المدى البعيد، يحتوي المشروع الذي انطلق عام 2011 على العديد من المواد المكتوبة، السمعية والبصرية ويسعى لتوثيق حياة الفلسطينيين (أفرادا، وعائلات، ومؤسسات) منذ عهد الحكم العثماني وحتى اليوم، وتتم تغذيته بشكل مستمر.

كذلك يعتبر موقع “الثورةالفلسطينية” الذي تأسس بمبادرة من الأكاديميين الفلسطينيين كرمة النابلسي وعبد الرزاق التكريتي، أحد المبادرات التي اتخذت أسلوبًا مختلفًا في الحفاظ على الأرشيف الفلسطيني، من خلال تسليط الضوء على الثورة الفلسطينية وتاريخها وسياستها بين نكبة 1948 وحصار بيروت عام 1982، ويقدم الموقع منهاجاً لتدريس الثورة الفلسطينية على شكل دروسًا أسبوعية تناقش الأحداث التي وقعت في تلك الحقبة من خلال عيون الكوادر الذين أسهموا فيها، كذلك تحتوي قناة الموقع في “يوتيوب” تسجيلات مصورة مع الكثير من الباحثين والسياسيين ممن عايش تلك الفترة الهامة في تاريخ الشعب الفلسطيني.

أمّا على المستوى الرسمي، فيعتبر “مركزالأرشيفالوطنيالفلسطيني” الذي أنشأ أواخر العام 1994 بتوصية من رئيس السلطة الفلسطينية السابق ياسر عرفات، يعتبر مكانًا لحفظ الوثائق والمستندات والسجلات بصورة دائمة، ويعتبر مصدرا خاصا للمعلومات لأجهزة ودوائر ووزارات السلطة الفلسطينية ومرجعًا للباحثين،  وقدرت تكاليف إنشاء المركز بحوالي 14 مليون دولار.

قُصاصات “خزائن”

بمبادرة من الباحث الفلسطيني فادي عاصلة وهو خريج قسم الدراسات العليا في الجامعة العبرية في الأدب المقارن، وقسم الدراسات العليا في جامعة برلين الحرة بتخصص العلاقات بين الأديان في الحضارة العربية الإسلامية، عمل برفقة مجموعة من المتطوعين المهتمين بالتاريخ الفلسطيني والعربي على إنشاء مبادرة “خزائن” التطوعية عام 2016 بهدف بناء أرشيف يوثق الحياة اليومية للفلسطينيين ويوميات الناس في الماضي، عبر تجميع مادة “الأفيمرا”، وهي القصاصات القصيرة المدى مثل: الملصقات، المنشورات، المطويات، الإعلانات التجارية والثقافية، وكل المواد الأخرى التي لم تأخذ حقها بشكل كامل في الأرشيفات التقليدية.

يعمل أصدقاء ومتطوعو “خزائن” الذين بلغ عددهم 23 متطوع ومتطوعة في بلدان مختلفة مثل الأردن، مصر، سوريا، لبنان، قطر، الجزائر، ليبيا، عُمان، وغيرها من الدول التي يتواجد فيها الفلسطينيون وينضم إليهم العديد من المبادرين باستمرار، يجمعون الأرشيف الخاص بالقضية الفلسطينية والذاكرة العربية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من المواد، متبنين شعار: “كل قصاصة ورق قد تكون مدخلًا لحكاية مُلهِمة دُفِنَت بكامل بتفاصيلها، ومن الأوراق البسيطة ننكش تاريخًا يحنُّ إلينا بمقدار حاجتنا إليه”، ثم تحضر المواد إلى فلسطين لتُحفظ في خزانة تحمل اسم الشخص الذي ساهم أو جمع هذه المواد لمصلحة المبادرة.

تقول مسؤولة التواصل في فريق “خزائن”، آلاء قاق، لـ”جدلية”: “تقدم مبادرتنا المعلومة وتوفرها بطريقة قائمة على البحث والدراسة ليعتمد عليها القارئ في بناء رأيه، محاولين قدر المستطاع مقاربة الحقيقة التاريخية في مسعى لتبيان حقيقة ما جرى”. موضحة أن اسم المبادرة جاء من التراث العربي والإسلامي كخزائن بيت الحكمة في بغداد وخزائن قُرطبة والقيروان، وخزائن في اللغة العربية تعني مكانُ الخَزْنِ والجمع، وفق قاق.

آلية الحفظ والنشر

تسعى المبادرة أن تصبح أرشيفًا مجتمعيًا ثريًا ومرجعيًا للباحثين، وتساهم في تطوير قاعدة بيانات مرجعية تنهض بالمكتبة العربية وترتقي بمجالات البحث العلمي عربيًا. وتأكيدًا لكون المعلومات حقا عاما، إيمانًا بذلك عمل الفريق على  تجميع نحو 60 ألف مادة من بينها ألف كتاب وألفا ملصق، توضح وتبين التطور الاجتماعي واليومي للناس من حكايات وقصص ومذكرات، وطبيعة حياة وتغييرات اجتماعية حلّت بهم.

تُحفظ المواد المُجمعة في صناديق خاصة لا تحتوي على مواد قابلة للأكسدة، ثم يعمل الفريق على تصنيفها وترميزها ثم عمل مسح ضوئي لها، تجهيزًا لنشرها عبر الموقع الإلكتروني الرقمي الخاص بالمبادرة،. ويحتوي الموقع على مجموعة من المواد التي تهم الباحثين كخطوة تجريبية، إذ ستوفر لهم المحتوى لاحقًا بشكل مجانًا لتمكنهم من معاينة ومراجعة وطباعة وحفظ الوثائق مُباشرة.

وتفاديًا لضياع الأرشيف كما حدث مع أرشيف “منظمة التحرير” في بيروت، وملاحقته إسرائيليا يعمل فريق خزائن على حفظ الوثائق المكررة في القدس وعمّان وبيروت، كما تنشر “خزائن” على منصات التواصل الاجتماعي المواد الأرشيفية المهمة بناءً على أحداث محددة ليقوم المتصفّح بمقارنة الواقع الحالي والماضي.

مُبادرات فردية

متجولًا بين المكتبات القديمة في مدينة غزة وباحثًا بين أهلها عن أشرطة فيديو قديمة تؤرخ أحداث وذكريات المدينة، بدأ الشابمنتصرترزي عام 2013 بمبادرة فردية لتجميع الأرشيف الفلسطيني المصور من مصادر مختلفة ليُعيد نشرها لمتابعيه البالغ عددهم عشرات الآلاف، الذين يساهمون بدورهم في تزويده بما لديهم من فيديوهات قديمة بعد أن صار عنوانًا مُتعارفا عليه لنشر المواد القديمة.

يقول ترزي لـ”جدلية”: “أعمل على تجميع الأرشيف كهواية لي في البحث عن الماضي الجميل، فالأرشيف يُذكر الناس بالماضي الذي عاشوه ببساطة ومحبة، ويفتح أعين الجيل الجديد على ذاكرة مدينتهم التي لم تُتاح لهم الفرصة لعيش تفاصيلها”. ويُضيف أن ما يقدمه إلى المتابعين من محتوى يحصل على تفاعل كبير قد لا يحظى به إعلاميون كبار في فلسطين.

ومؤخرًا افتتح مشروع “مدونات فلسطين” الإلكتروني حسابًا خاصًا على موقع التواصل الاجتماعي تويتر باسم “أرشيففلسطين” يعملوا من خلاله على نشر الأرشيف الفلسطيني المُجمع في المشاريع المختلفة وينشروا صورًا للأحداث الفلسطينية بالتزامن مع ذكراها.

خاتمة

بعد الاستعراض السريع لبعض المراحل التي مر بها الأرشيف الفلسطيني الذي يشكل ذاكرة هذا الشعب، يدرك القارئ الحالة السيئة التي مر بها أرشيف الفلسطينيين، رغم العديد من المبادرات والمشاريع التي تحاول أن تجمعه إلا أنها تبقى متفرقة ولا تشمل جميع أنواع المواد التي تؤرخ للتاريخ الفلسطيني، سواء من صور أو مقاطع فيديو ومقابلات تلفزيونية أو تسجيلات صوتية لمن عايشوا الأحداث، كذلك لا يوجد حتى الآن مبادرة جادة للعمل على تجميع الأرشيف الذي يخص الفلسطينيين في أماكن تواجدهم المختلفة في الشتات عبر السنوات الماضية، سواء في سوريا والأردن ولبنان أو دول المهجر التي يسكنها المئات من الآلاف ممن غادروا فلسطين وظلت ذاكرتهم عصية على النسيان، وينتظروا من يحفظ قصصهم وحكاياتهم.

المصادر

– الأرشيف المسروق – هآرتس

– أرشيف فلسطين في الجامعة العبرية –  مسارات

– موقع فلسطين في الذاكرة – هنا

– موقع الأرشيف الرقمي الفلسطيني – هنا

– موقع الثورة الفلسطينية – هنا

– الأرشيف الوطني الفلسطيني – هنا

– موقع وكالة فلسطين اليوم الإخبارية – هنا

– مقابلات خاصة

  • نشرت أولًا في جدلية | هنا

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: