ذكريات المدينة.. الصباح

أتممت في أكتوبر الماضي عامي الخامس في الغربة، خمس أعوام بما حملت أيامها من ذكريات ومواقف،  متنقلًا للعيش بين شقي إسطنبول في أكثر من ثلاث عشر بيتًا في هذه المدينة الجوزائية متسارعة الخطى، مندهشًا في السنة الأولى بكل شيء، منزعجًا في الخامسة من كل شيء، منتظرًا أن يقلب أحدهم ساعة المدينة الرملية من جديد، عندما وصلتها كانت تبدو أنها بدأت دورتها في الحياة للتو، كل شيء هنا كان يُدهشني، ألوان السماء والأرض، محطات المترو، وجوه الناس، وصفات الطعام، محاولات فهم اللغة، الشاي بلا سُكّر، الطعام بلا ملح، المدينة بلا معارف، والأيادي مشرعة لاستقبال المدينة التي لا عرفت لاحقًا أنها لا تموت طالما يستيقظ فيها الملايين كل صباح وينام وآخرين كانوا يحرسون حكاياتها في الليل. 

الصباح

هنا عرفت “الغربة” التي أنكرتها طويلًا وأعتبرتها مُحنًا لغويًا ليس أكثر، عرفتها في صباحات إسطنبول الباكرة، وهنا بدأت تكوين علاقتي مع الصباح، وصرت أغيّر فيه لتقبله والتعايش معه والسماح له بالتغيير فيّ، لم أكن أهتم بالفقرات الصباحية من قبل، لكنها مع الوقت تصير جزءًا أساسيًا لتقبل بقية اليوم، وما زلت أتذكر تفاصيل الصباح الأول في المدينة وأضحك كلما أتذكر أنني بدأته صائمًا عن الطعام، فقد كان يومي الأول هنا “يوم وقفة عرفة” وكنت قادمًا من سفر لثلاثة أيام يعرفه الجميع، وربما جرّب أحدكم كم هو مرهق أن تسافر عبر معبر رفح من غزة إلى القاهرة ثم إلى أي مكان في العالم. 

نزلت ضيفًا عند أحد الأصدقاء في الليلة الأولى حتى تفتح البلاد أبوابها، كل شيء كان مغلق بسبب إجازة العيد، في الليل طلب مني الحضور إلى المطبخ لنصنع بعض الطعام نتسحر به للاستعداد لصيام يوم عرفة، لم أكن قادرًا على الصيام من التعب لكن لن أدخل في نقاش الأمر، هذه الليلة الأولى هنا وكل شيء مرتبك، استيقظنا في اليوم الثاني صائمين وتجولنا معًا في أحياء المدينة حتى آذان المغرب، وكلما أرجع إلى ألبوم الصور التي التقطتها يومها أضحك كثيرًا.. من هذا؟ لماذا كنت أتصور مع التماثيل؟ لماذا التقطت صورة في وسط شارع ياووز باشا بحي الفاتح؟ لماذا طلبت منه أن يصورني وأنا أشرب الماء من حنفية في الشارع؟ لا إجابات بالطبع، لكنّها ظلّت ذكريات جميلة. 

طابور

انتهت إجازة العيد، ولم تكن كل الصباحات هكذا، عليّ الآن التكيف مع الاستيقاظ عند الخامسة منتظرًا دوري بين الطلاب لآخذ دُش الصباح قبل أن أصطف في طابور الفطور بين عشرات الطلاب في السكن الجامعي، كان يبدو الأمر جميلًا في البداية، لكن بعد فترة صار التكرار يبعث الملل، بالإضافة لأن المعدة صارت ترفض استقبال نفس الفطور كل يوم “بيضة مسلوقة، قطعتين جبن، حبات زيتون، شيئًا ما كانوا يسمونه عسل، وخبز تركي”، ما زلت أتذكر قسوة الخبز في السكن، لو وقع رغيف خبز على رأس أحد الطلاب لأدخله في غيبوبة من شدة قسوته. 

كان التعود على الاستيقاظ صباحًا مسألة كبيرة، فلطالما عارضت أمي سفري لإيمانها المطلق بأني لن أصحو إلى الجامعة وحدي، وهي التي اعتادت أن تستيقظ قبل مواعيدي كل صباح لتمارس مهارتها في نقلي من النوم إلى نهارٍ جديد، وعرضت عليّ قبل سفري بأسابيع أن تتقبل فكرة السفر إذا استيقظت ليوم واحد إلى جامعتي دون مساعدتها.. لم يحدث هذا بالطبع، لكنه الآن يا أمي يحدث كل يوم، وطفلك يسبق منبه الهاتف في غالبية الأيام. فالكسول هنا تسبقه المدينة، فالصباح الذي لا تخرج فيه من البيت هنا تخسر الكثير، ولو جرّب أحدهم المكوث في البيت لأسبوع دون مواجهة المدينة سيشعر أن شيئًا ما فاته ولن يستطيع تعويضه أبدًا، فهذه المدينة تلاحقك ولن تسبقها مهما حاولت. 

 

فكرتان اثنتان على ”ذكريات المدينة.. الصباح

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s