ذكريات المدينة.. المواصلات

لكل شيء غريب في إسطنبول أهل يعرفونه ولا يعرفهم، الطلاب، اللاجئين، المنفيين والمتعبين، كل واحد منهم يبحث عن أهله في تفاصيل المدينة، التي دون أن يدرك يصبح هو جزءًا منها، وفي لحظة نجد أنها تشبهنا ونبحث عن أنفسنا في أزقتها القديمة وسواحلها الصخرية المتصدية لارتطام أمواج البسفور عبر الزمن، ويسرح الواحد منا فيها فجأة حين يحني رأسه على نافذة الباص الذي يجول فيه الأحياء، ويحاول أن يفهم جملة من أغنية من أغاني التاكسي عله يجد فيها ما يعبر عنه، يضيع في مواصلاتها ويتوه في حكاياها وكما لكل شيء هنا حكاية، تعالوا أحكي لكم حكاية المواصلات والمدينة.

يبدو مشهد ركض الناس في إسطنبول عاديًا للمقيم وغريبًا للزائر الذي يسأل دومًا “ليش بيجروا هدولا؟”، هكذا ببساطة، يركض الناس في المدينة لأنها تركض خلفهم، حيث يستيقظ الملايين هنا باكرًا كل يوم ليحجزوا لهم مقعدًا في الباص أو القطار الذي ينقلهم إلى مكان عملهم أو دراستهم، ومن يتأخر فمصيره محشورًا بين الخلق مشبوحًا من كلتا يديه في حبل مُدلى من سقف الباص حتى لا يسقط على أحد الركاب، يبدو الناس هنا كأنهم في ماراثون ليس له نهاية، يسير كل شيء فيها بإيقاع سريع، حتى سائق الباص لا يبطئ سرعته احترامًا للمطبات في الأسفلت، وسائق التاكسي يحشر نفسه في أي مساحة فارغة في زحمة الطريق محاولًا الوصول قبل موعده ولو بنصف دقيقة، ولا يلتزم أحد بمواعيده للقاءات، فالعذر دائمًا معروف: “ما إنت عارف زحمة إسطنبول”. 

كما في النهار، للمواصلات هنا قصة مع الليل، لكن بمزاج مختلف تمامًا، حيث يتغير قانون كل شيء بعد منتصف الليل وتخلو الطرقات لسائقي التاكسي والباصات الصغيرة أو ما يسميها الناس بـ”دولموش Dolmuş” والمأخوذ اسمها من الشيء الممتلئ، فبعد أن تقف عجلات وسائل النقل العامة عن الدوران يصبح هؤلاء ملوك الليل، وتبدأ معهم علاقة عكسية بين الراكب والسائق، إذ يعمل السائق في النهار لخدمة الراكب، لكن في الليل يبدو الأمر كأن الراكب هو المحتاج للسائق ويسلم نفسه له بشكل طوعي، يسمع أغانيه الحزينة ويصول معه ويجول على أنغام احمد كايا ومسلم بابا أو من يعرفان بآلهة الحزن في الموسيقى التركية، ويُبدي الراكب ارتياحه -غصبًا عنه- لرائحة السجائر المنبعثة من فم السائق، فلا مجال هنا للاعتراض على مزاج “الشوفير” الذي سيعرض عليه النزول بكل بساطة لو لم يعجبه الطريق، ويسأل زائرٌ للمدينة صاحبه المقيم عند الثالثة فجرًا وبكل غرابة: “ليش المترو بوس زحمة بنص الليل؟” 

مواصلة أولى

تكفل صديقي عبيدة بمساعدتي بالتحرك داخل المدينة في الأسبوع الأول لي فيها، يأخذني من مكان إلى آخر، ويدلني على أرقام الباصات ويُهجي لي أسماء محطات المترو ويصف لي الطريق بشكل ثلاثي الأبعاد، “على يمينك مطعم كباب وعلى شمالك في حجّة كوردية بتبيع ورد، أعطيها ظهرك واطلع ع الجسر لتقطع الشارع وخذ الباص من هناك”. كان يبدو هذا جميلًا لكنه غير مفيد على المدى البعيد، متى سأتنقل لوحدي وأحفظ هذه المتاهة؟، كذبت عليه في الأسبوع الثاني وأخبرته أني حفظت الطرقات وسأذهب للجامعة معتمدًا على ذاكرتي وإذا تعثرت الأمور سأسأل الناس. 

ذهبت مع أصدقائي الذين أدرس معهم إلى الجامعة وقررت العودة وحيدًا، ركبت الباص من حي بشكتاش إلى محطة “المترو بوس” الأخيرة في الطرف الأوروبي لأكمل بعدها طريقي إلى البيت في آخر جزء تصله المواصلات العامة في إسطنبول الأوروبية، في بعد دقائق انتبهت إلى تغير معالم الطريق وأسماء المحلات التي حفظتها وبدأ الباص بعبور جسر البوسفور المعلق، مبدئيًا كان يعني هذا أنني أضعت الطريق وصعدت إلى الباص الخطأ، لكن المشهد كان مدهشًا في نفس الوقت، يسير بنا الباص لأول مرة فوق هذا الجسر الشهير، معلقين بين قارتين، وأخرجت هاتفي لالتقاط صورة للمشهد لكن اكتشفت أن بطارية الهاتف نفذت.

كانت طريق العودة إلى البيت تحتاج ساعتين، لكنها في ذلك اليوم استغرقت ست ساعات متواصلة متنقلًا من باص إلى آخر، يُسلمني سائق باص إلى آخر كالطفل الضائع من أمه ولم أكن أفهم حديثهم معي فأنا للتو خرجت من درس اللغة التركية الأول، وكل ما أعرفه هو اسم الحي الذي أسكنه، وأعرف جيدًا أنني ندمت على التخلي عن مساعدات عبيدة الثمينة، لكن لولا ذلك اليوم لما حفظت طرقات المدينة.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s