طالبات بين الواقع وإنستغرام

لا أعرف من أين تأتي لزميلاتي في الجامعة هذه القدرة على تصنّع الأشياء، يلفت انتباهي كل يوم جانب جديد من تصنعهُن الغريب، مرة باللباس وأخرى بالابتسامات والأغرب من ذلك كله صنّع العُبس والكشرة المعروفة عن السكان في إسطنبول، لا أعرف حتى الآن لماذا كل هذه التصرفات لكن ما أعرفه أنهن بوضع غير طبيعي، أو أنهن في وضع طبيعي الآن ويتصنعن الفرح على إنستغرام فقط، في كلا الحالتين هناك حالة غير طبيعية مصطنعة تُفسد كل محاولة لأن أتقبل الاختلاط في هذا الوسط.

تقابلت مع “زهرة” عند باب القاعة التي أنتظر الدخول إليها، أعرفها من إنستغرام نتبادل الحديث بين الحين والآخر ولم نفلح في ترتيب موعد نلتقي به، تدرس في نفس الكلية “كلية الاتصال بجامعة أسكودار”.

⁃ مرحبا .. أنتِ زهرة ؟

⁃ مرحبا .. وأنت ياسر الفلسطينيي ؟

⁃ صحيح أنا، شاءت الصدفة أن نلتقي أخيرًا !

سألتني عن فلسطين وأخبرتني أنها تتابع الأخبار القادمة من القدس بعد قرار ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وسألت عن لماذا لا يوجد بيننا أي درس مشترك حتى الآن ! أجبتها أنني في السنة الأولى بعد. “اعتقدت أنك أكبر من ذلك” قالت بدهشة، فأخبرتها أنها قصة طويلة أخبرك بها لاحقًا، تصافحنا ودخلت إلى القاعة.

درس علم النفس الإيجابي على وشك أن يبدأ، كنت سألت زهرة عن اسم المُحاضِرة التي تدرسها مادة الإعلانات، قالت أنها لا تعرف واستغربت منها، كيف لا تعرف من مُدرس المادة !

دخل مُدرسي إلى القاعة وتذكرت أنني أيضًا لا أعرف اسمه إلى الآن، ونحن على أبواب انتهاء الفصل الدراسي بعد ثلاث أسابيع !

“التوتر” هو عنوان محاضرة اليوم، بدأها المُحاضِر بسؤال عام، ما هو التوتر ؟

تحدث الطلاب بإجابات مختلفة، كنت أريد المشاركة ولكن اكتفيت بترديد ما يدور في عقلي بصوت منخفض، استمعت إليه الطالبة التي تجلس بجانبي وقالت بابتسامة: ” ما تقوله صحيح، طالبات هذا الصف هُن أصدق وصف للتوتر”.

• ملاحظة، هذه التدوينة غير ذكورية

Advertisements

البيقاوي 29

عند التأمل في ظروف غربتنا نجد أنفسنا نكبر بعيدًا عن أعين من نحب من أهل وأصحاب وهم كذلك يكبرون بعيدًا عنا، وهذا إذا ما أنصفنا غربتنا -التي قست علينا حتى قسونا على أنفسنا- نجده أسوأ ما فيها، فبعضنا شاهد أهله آخر مرة قبل أربع أو خمس سنوات، خلالها صارت التجاعيد في وجوه أمهاتنا تبدو أكثر مما كانت عليه عند آخر قُبلة وغزا الشيب شعر آبائنا أضعاف ما كان عليه عند آخر صورة تذكارية جمعتنا، لكن مازلنا نُراهن على القلوب التي تتصل والدعوات التي لا تنقطع وأخوة صادف الحظ أن أمهاتنا لم تلدهم إلا أن قلوبنا اختارتهم ليكونوا سندًا لنا وعونًا في كل الظروف مهما تبدلت.

اليوم 26 أكتوبر هو يوم ميلاد أخي الرابع، أحمد، خير سند ورفيق وحبيب، الذي كان شاهدًا على كل المراحل التي تغيّرت فيها ولم تشهدها أُمي أو أحد من أهلي الذين باعدت بيني وبينهم المسافات والظروف، نحتفل اليوم معًا كعائلة واحدة لا كأصدقاء فقط.

وكم يُسر المرء أن يحظى بمثل هكذا أخوة يهونون عليه الحزن ويفتحون ذراعهم للفرح والحب، نحتفل اليوم بعيد ميلاد أحمد على أمل أن نحتفل به العام القادم عريسًا فكل عام وهو بكل الخير والحبوالأمان.

العيد بعيدًا عن غزة

على عكس بقية الأصدقاء كان العيد الأول في الغربة دون أي اشتياق للبلاد وأجواء العيد في غزة، ببساطة كان أول يوم في العيد هو ثاني يوم في الغربة، وصلت إسطنبول الليلة التي سبقت صباح يوم عرفة، منهكًا من رحلة عذاب بين معبر رفح ومطار القاهرة وبينهما إرهاق تظلم الكلمات شدته. لا بأس، المهم أن يمضي المرء في طريق سلكها رغم الصعاب التي كانت وما زالت تحاصرها وتحاصره.

أخبرني الصديق الذي استضافني أن يوم عرفة صباح الغد وعلي أن أتسحر جيدًا لأن الصيام في هذه البلاد طويل ومرهق، لم أفكر في أن أناقشه في جدوى صيامي بعد أيام السفر هذه، ذهبت إلى النوم واستيقظت صباح عرفة صائمًا.

إذًا هذا العيد السادس بعيدًا عن غزة، صراحة لا أعرف لماذا أقول بعيدًا عن غزة وليس عن فلسطين أو البلاد أو الوطن، الذي أعرفه أَنِّي لا أعرف مما ذُكر سابقًا سواها، وكنت دومًا أقول لأهلي أنه بعد تحرير فلسطين لن أعود معكم إلى قريتنا المحتلة، عودوا وحدكم واتركوني في غزة.

***

اتصل بي أول أمس أصدقاء من قناة فلسطين اليوم وقالوا أنهم يريدون مداخلة هاتفية حول كيف يقضي الطلبة الفلسطينيين عيدهم في الخارج، كان مقدم البرنامج الصديق يوسف أبوكويك الذي قضينا معًا فترة لا بأس بها من العمل في مكتب الفضائية بغزة. تحدثنا حول أجواء العيد وكيف يعود الطلاب إلى بلادهم ونبقى نحن طلبة غزة إلى جانب طلاب اليمن وسوريا لا نتمكن من قضاء أي إجازة بجانب أهلنا، في نهاية الحديث سألني: “ياسر .. هل تشتاق لقضاء العيد في غزة ؟ وهل تذكر آخر عيد لك فيها؟” أجبته بنعم !

قال: حدثنا عنه، دارت لحظتها في رأسي ذكريات واحد وخمسين يومًا قضيناها سَوِيًّا في تغطية الحرب التي تخللها شهر رمضان كاملًا وَعيد الفطر بأيامه الأربعة. أجبته: كنّا مع بعض في الحرب .. صمت هو الآخر وشكرني وانتهت المكالمة.

تركت هذه المكالمة في القلب أسئلة بلا إجابات واضحة، لكن الأكيد أنه لن أفكر في الاشتياق لقضاء عيد آخر في غزة قبل أن تتضح الطريق التي لا ضوء فيها، والله أعلم.

* الصورة لكافيتريا سكن الطلاب الذي أسكنه عصر اليوم وقت طعام الغذاء، حيث عاد جميع الطلاب إلى بلادهم لقضاء إجازة العيد وبقيت وحيدًا أنا والحارس.

إلى مهند بعد الخلاص

“يخبركم الله أن هذه اللعبة قد انتهت، وأنه لا يكترث بشأنكم، من شاء منكم فليستمر بالحياة ومن شاء فلينتحر.”

هذا ما كتبه الشاب مهند يونس في إحدى قصصه القصيرة المنشورة مؤخرًا، يفسر فيها قناعته التي وصل إليها منفذًا خياره وتاركًا لنا خياراتنا إذا أردنا الاستمرار في الحياة. الحقيقة أن مهند ذهب ولا مجال لعودته إلى غزة بعد الآن، نعم غزة التي لم يعرف من الدنيا غيرها ولَم يقتله سواها، ولن تكون هناك محاول أخرى من أصحابه لثنيه عن التوقف بالتفكير بالانتحار

من يعرف مهند يعرف أنه قام بالفعل الذي كان ينبغي عليه فعله – أو هكذا قال أصحابه- رغم قسوة ما حدث إلا أن مهند اختار نهاية حياته بنفسه ولَم ينتظر قسوة غزة وظلم النظام الاجتماعي أن يجعل منه أداة يُنتقم منها بمختلف الظروف.

رحل الآن مهند ولَم يعد يعنيه ما يحدث خلفه، لن يهتم لمن كتب عنه “رحل صديقي مهند .. أسأل الله له الرحمة رغم إلحاده” ولن يصحو مهند من موته ليبصق في وجه المتحدث باسم شرطة غزة الذي أعلن عن سبب وفاته -كما يحلو له ليُبعد التهمة عن وضع غزة الكارثي الذي يُعتبر الانتحار أفضل الخيارات أمامه- وقال أنه تعاطى كميات من المخدرات والأدوية إضافة للمبيدات الحشرية ليتخلص من واقع عائلي يعيشه، قالوا هذا قبل صدور تقرير الطب الشرعي أو قبل إعلان عائلته، وطعنوه بعد موته ولَم يجرؤ أحد منهم على طعن من جعله يفكر بهذا الخيار

دعك منهم يا روح غزة التي اخترت بنفسك أن تخرج منها، وارقد في هدوء خيارك.

لا أعرفك يا مهند ولكن اكتب لأني أراقب موتك من قارة أخرى في وسط صخب عارم ولا أَجِد ما أفعله، لا أستطيع المشاركة في جنازتك أو مساندة رفاقك ولا حتى قِتال من يتهجم على خيارك في الخلاص، أكتب لأني لا أمتلك الوصول للناطق باسم الشرطة وأبصق في وجهه.

هنا انتهت اللعبة عندك، وهنا تبدأ عندنا.

الرحمة لروحك والصبر لعائلتك وأصحابك وقلب الله يخفف عن قلب حبيبتك…

الاستقطاب عند حماس: بين المدرسة والمسجد

مع توقيع اتفاق القاهرة “اتفاق غزة أريحا” في أيار/ مايو 1994، بين قوة الاحتلال الإسرائيلي ومنظمة التحرير الفلسطينية، وبدء عودة السلطة الفلسطينية إلى قطاع غزة المحتل بعد أسابيع من الاتفاق، بدأ حزب السلطة “حركة فتح ” بفرض نفوذه على معظم الحيز العام الفلسطيني. وكان الهم الأول للقيادة الفلسطينية “الجديدة” بزعامة الراحل ياسر عرفات هو إعادة إنشاء وتشكيل الحقل السياسي الفلسطيني والهيمنة عليه، بعد تراجع تأثير قيادة المنظمة في الشارع الفلسطيني لصالح حركة المقاومة الإسلامية “حماس” خلال السنوات الأخيرة للانتفاضة الفلسطينية الأولى.  

كانت السلطة الفلسطينية منذ اللحظات الأولى لقيامها، وبعد سنوات من العنف الثوري الذي تخلل الانتفاضة الأولى، تدرك أن مهمة السيطرة على الحيز العام والعمل السياسي في مناطق نفوذها، لن يكتب لها النجاح إن اكتفت بخلق قوة أمنية كبيرة تحتكر العنف، فسعت بشكل محموم إلى تبني سياسة تعينها على إنجاح هذه المهمة، إذ أسست نظاماً يقوم على توزيع الموارد التي تمتلكها السلطة لاستمالة القوى والتشكيلات الاجتماعية والسياسية من جهة، وإقصاء بعضها من جهة ثانية.

حركة فتح التي أصبحت تسمي نفسها “أم الجماهير” امتلكت أدوات الحكم والتوظيف في السلطة الجديدة، ما جعلها تسيطر على زمام الأمور وجعل الالتفاف حولها أكثر من غيرها، إضافة للالتفاف الناتج عن تعزيز عرفات للعشائرية ومنح العائلات نفوذا وامتيازات مقابل عملها السياسي والاجتماعي لصالح حركة فتح.

انشغلت فتح تباعًا في إدارة أجهزة السلطة والعمل على مأسسة العمل الأمني بحيث أصبح الأمن هو المعنى الوحيد للسياسة في الأراضي الفلسطينية المحتلة. بعدها بسنوات اشتعلت انتفاضة الأقصى الثانية في أيلول/ سبتمبر 2000، مما أدى إلى فتح المجال العام مرة ثانية أمام حركات الإسلام السياسي للتحرر من القبضة الأمنية لأجهزة السلطة ومحاولة إيجاد مساحة أوسع لها في الساحتين السياسية والاجتماعية. كانت وقتها مؤسسات السلطة الفلسطينية تزداد فسادًا يومًا بعد يوم، فعملت حركة حماس لتكون بديلًا اجتماعيًا عن مؤسسات فتح والمنظمة، عزز من ذلك فوزها في الانتخابات التشريعية بأكثرية مقاعد المجلس التشريعي الفلسطيني (76 من أصل 132) في كانون الثاني/ يناير 2006 حيث اعتبر هذا الفوز علامة فارقة في الالتفاف الشعبي حول حركة حماس ورفضًا عند بعضهم لسياسات حركة فتح التي غلب عليها الواسطة في التعامل مع المواطنين، والفساد في إدارة الملفات المختلفة. فما هي الطرق التي تتخذها حماس لاستقطاب الأفراد إليها ؟

الاستقطاب لحركة حماس

اختلفت الأساليب التي تتبعها حركة حماس لاستقطاب المجتمع الفلسطيني على مدار ثلاثين عامًا من نشأتها، فبعد أن كان انضمام أحدهم إلى الحركة أمرًا صعبًا كونها حركة مغلقة يجب أن يمر “الأخ” فيها بمراحل مختلفة كان يغلب عليها الطابع السري؛ بسبب الخوف من قبضة الاحتلال الأمنية وملاحقة أجهزة السلطة لهم بعد ذلك، لكن لا شيء يبقى على حاله، فالتغيير السياسي في السلطة أدى إلى رفع الخناق حول أنشطة حركة حماس، خاصة بعد سيطرة الحركة على المقرات الأمنية في قطاع غزة ومؤسسات السلطة المختلفة بعد الأحداث في حزيران/ يونيو  2007، حيث منح حماس العمل في كل المساحات براحة كاملة، وغطاء حكومي يصل إلى حد الدعم في أوقات كثيرة.

 

المسجد كحيز للعمل العام

يعتبر المسجد أهم المساحات التي تستخدمها حركة حماس في استقطاب الشباب إليها ليصبحوا مؤيدين أو أعضاء داخل الحركة، إذ تنشط الحركة في المساجد مثل جميع الأحزاب المنبثقة من رحم جماعة الإخوان المسلمين في العالم.

استخدمت حركة حماس المسجد كحيز لتمرير أفكارها إلى الشباب منذ انطلاقتها في غزة، فالمسجد يعتبر بديلًا مقبولًا اجتماعيًا ودينيا في ظل مجتمع يغلب عليه التدين، فإلى جانب أنه مكانًا لأداء العبادات صار مكانًا أساسيًا للأنشطة المختلفة، بداية بالدينية ومرورًا بالرياضية والاجتماعية وكذلك الأنشطة التعليمية، فعلى سبيل المثال تجد ساحة المسجد امتلأت بحلقات تحفيظ القرآن الكريم في الفترة بين صلاتي المغرب والعشاء، ويحرص خطيب الجمعة على حث الناس على إرسال أبنائهم لحلقات تحفيظ القرآن، كذلك يوفر المسجد مساحة رياضية لأبناء الحي الذين لا يجدوا مكانًا يحتضن شغفهم الرياضي، ففي أغلب المساجد يوجد مكان للعبة تنس الطاولة وفريق لكرة القدم يلعب أفراده مرة كل أسبوع بعد عصر صلاة الجمعة في أقرب ساحة مدرسة أو أرض فارغة. ومع اقتراب موعد الامتحانات النهائية في المدارس يتم الإعلان داخل المسجد عن دروس تقوية للطلاب وحل نماذج للاختبارات في مكتبة المسجد يشرف عليها معلمين من “شباب المسجد” أو المحسوبين على حركة حماس.

هذه الأنشطة تزداد فعالياتها في الإجازات الصيفية والمناسبات الدينية والاجتماعية، في الصيف مثلا تحرص “أسرة المسجد” – وهي لجنة مكونة من كبار رواد المسجد وواجهة حركة حماس في الحي- على أن تقوم اللجان المختلفة داخل المسجد بأنشطة صيفية، تبدأ من إقامة دوريات رياضية أو مسابقات ثقافية وتنتهي بالأنشطة البحرية على شاطئ بحر غزة الذي يعتبر قريب عن أبعد نقطة عنه في المدينة الواقعة على ساحل المتوسط، في الصيف مثلا اعتاد الكثير من شباب المساجد على الذهاب للبحر بعد صلاة فجر الجمعة للسباحة وتناول طعام الفطور على الشاطئ، يشارك فيها كل من يحب المشاركة.

إذا ما جُمِّعت هذه التفاصيل والأنشطة الصغيرة في لوحة واسعة، تبرز نظرة مختلفة في مخيلة الشخص المستهدف بقصد أو بغير قصد حول الدور المهم الذي يقوم به المسجد في ملئ الفراغات الغير متوفر في بالأغلب في الأحياء البسيطة وداخل المخيمات، هكذا يصبح المسجد هو البديل الأفضل الذي يجب أن يقصده الطالب، وهنا طرف الخيط في الدخول إلى عالم حماس.

بعد أن يشارك الشاب الصغير في كل هذه الأنشطة ويشعر أنه المسجد يمنحه دور ما، يبدأ في السعي أكثر للحصول على أدوار جديدة كرجل وعنصر فاعل، ويكون مبايعة جماعة الإخوان المسلمين وعضويته في حركة حماس أحدها.

الجانب الاجتماعي عند حماس

لعبت حماس دورًا كبيرًا في التكافل الاجتماعي من خلال جمعياتها الاجتماعية المنتشرة في محافظات غزة الخمسة، إذ تقوم على كفالة الأيتام ومساعدة الأسر المحتاجة وتوفير مشاريع عمل صغيرة للفقراء في الأحياء والمخيمات، تزداد ذروة هذا العمل الاجتماعي في المناسبات كشهر رمضان وعيد الأضحى وموسم بداية المدارس وفصل الشتاء من خلال لجان الزكاة الموجودة في كل مسجد ومنطقة ومحافظة، كذلك ساعدت الزيارات الاجتماعية التي تقوم بها اللجنة الاجتماعية التابعة للمسجد والتي تكون غالبا مكونة من مشايخ الحارة وكبارها، يقومون بزيارة المرضى من أهل الحي، ومشاركتهم في حفلات الأفراح وكذلك مواساتهم عند الموت، كذلك اهتمام الحركة بالطلاب المتفوقين في الحي من خلال تكريمهم عند التفوق في المدرسة، لدرجة أن بعض الأمهات يلمن أبنائهن بسبب عدم تفوقهم وتكريمهم في “حفل التكريم في المسجد”.

هذا الاهتمام الذي تبديه الحركة لقضايا الناس الاجتماعية، والوقوف بجانبهم – حتى وإن كانوا لا ينتمون إليها- جعلها مقبولة اجتماعية وحاضرة في كل المناسبات التي تخص المواطن البسيط. الأمر الذي ساهم على حرص بعض الفقراء و المهمشين اجتماعيًا على جعل الأبواب مفتوحة بينهم وبين الحركة ممثلة بِـ “أسرة المسجد”.

حماس لم تستقطب الأفراد عبر التركيز على ما تسميه إسناد المجتمع، بل نجحت في استقطاب عائلات بأكملها، لاسيما البسيطة، التي لم تستفيد من حركة فتح خلال العشر سنوات الأخيرة، نتيجة عدم عملها في غزة بشكل فاعل.

إعلام حماس يدخل كل بيت في غزة

لا يخفى على أحد في قطاع غزة أن حركة حماس تعتبر الرائدة من بين التنظيمات الفلسطينية في استخدام المساحات الإعلامية بأشكالها المختلفة لتوصيل رؤيتها، بدءً من جرافيتي شعارات المقاومة على الجدران، وانتهاءً بوسائل التواصل الاجتماعي، في المناسبات الدينية والوطنية وذكرى انطلاقة الحركة تملأ شعارات حماس جدران قطاع غزة من تهنئة بالعيد أو نعي لشهيد أو تهنئة بخروج أسير من سجون الاحتلال.

كما أن هناك  مجلة “صوت المرابطين” التي تعلق على الحائط الخلفي في المسجد، والتي تعرض أخبار الأسبوع من وجهة نظر الحركة وتحليلها. و في سيارات الأجرة تصل رؤية الحركة من خلال الإذاعات المحلية التابعة لها والتي تعتبر إذاعة صوت الأقصى أبرزها ومن أكثر الإذاعات المحلية استماعًا في القطاع. كذلك فضائية الأقصى التابعة لحماس والتي راحت في تطوير أدائها الإعلامي والانتقال من مخاطبة الداخل إلى مخاطبة الداخل والخارج.

في السنوات الأخيرة وبعد اجتياح منصات التواصل الاجتماعي لكل بيت لعبت الحركة دورًا أساسيًا في نشر أفكارها عبر منصات التواصل المختلفة، حماس موجودة الآن بحسابات رسمية على تويتر وإنستغرام وفيسبوك كذلك قيادتها تغرد على تويتر ويتلقى الإعلام التصريحات من حساباتهم الرسمية. هذا الإدراك لأهمية وسائل التواصل الاجتماعي مر بمراحل متعددة عند حركة حماس وأفرادها إلى أن وصل إلى هذا الحال، فبعد أن كانت تقول أن هذه المنصات جزءًا من أدوات الجوسسة الإسرائيلية وحرمّتها في مرة من المرات، أدركت الحركة مدى أهمية هذه المنصات في نشر أفكارها.

الحركة تدعم أيضاً منصات إخبارية كبيرة تنتهج سياسات تحريرية مختلفة، لكنها تروج لرؤية الحركة لأغلب القضايا، وتملك دائرة إعلام تراقب كافة هذه المنصات التي تنشر بتماهي شبه كامل الأفكار ذاتها.

يبدو أن الحركة التي تطور الأداء الإعلامي لها، وتخاطب كل فلسطيني في غزة بطريقته، بداية من النداء عبر مكبرات الصوت في المساجد، وصولاً لمنصة مثل ” انستغرام” منحها الوصول والتأثير في شرائح واسعة.

حماس كحركة مقاومة

إن الإعجاب الذي يملأ عيون الطلاب في قطاع غزة أثناء نظرهم لكتائب القسام يتطور معهم إلى أن يصل لسعيهم للالتحاق بالحركة ثم  إرتداء الزي العسكري للكتائب.

مخيمات طلائع التحرير التي تنظمها كتائب القسام الجناح العسكري لحماس استقطبت في السنوات الثلاث الماضية عشرات آلاف الطلاب، إذ كشف ذلك عن اتخاذ الغزيين المقاومة كهوية أكثر من كونها خيار خاصة بعد الحروب الثلاثة التي تصدت فيها الكتائب إلى جانب فصائل أخرى للاحتلال، ما ولد شعور لدى أهالي هؤلاء اليافعين بضرورة الموافقة على تواجد أبنائهم الذين لم يتجاوزا 18 عاما في هذه المخيمات ليتلقوا تدريبات على أيدي الكتائب التي تحظى بتأييد أغلب أهالي القطاع، حتى خصوم حماس سياسياً، وأولئك الناقمين على أداء حماس في إدارة شؤون القطاع.

الكتلة الإسلامية .. الدور الأكبر

يعتبر العمل الطلابي داخل المؤسسات التعليمية الفلسطينية في قطاع غزة هدفًا للكثير من الحركات الطلابية، كان على رأسها الشبيبة الفتحاوية (فتح) والكتلة الإسلامية (حماس) وجبهة العمل الطلابي (جبهة شعبية) و الرابطة الإسلامية (الجهاد الاسلامي)، إلى أن طفى أداء الكتلة الإسلامية على سطح العمل الطلابي بعد 2007 عقب سيطرة حماس على القطاع، ما منحها حرية العمل، إضافة للكثير من الإمكانيات المادية والبشرية، سخرتها لخدمة طلاب المدارس والجامعات.

تلعب الكتلة الإسلامية دورًا فاعلًا في استقطاب الطلاب في المدارس والجامعات داخل قطاع غزة، حيث تتوزع هرميًا في محافظات قطاع غزة، ويوجد مجموعة من الطلاب يمثلونها في كل مدرسة وجامعة، ينتقسم هؤلاء إلى لجان (ثقافية، دعوية، إعلامية، رياضية) وتتوزع عليهم مهام مختلفة، تقوم اللجنة الثقافية بالاهتمام بالجانب التعليمي للطلاب من حيث توزيع الكراسات الدراسية ونماذج الامتحانات وإجراء المسابقات وتنظيم إذاعة مدرسة أو مهرجانات في المناسبات داخل المدارس والجامعات، اللجنة الدعوية تقوم بعمل دروس دينية بالتنسيق مع مشايخ معروفين أو مدرسو الجامعات ومتابعة الطلاب “الغير ملتزمين” دينيًّا واتباع خطة دعوية لهم تنقسم أدوارها بين المدرسة أو الجامعة ويكمل الدور الآخر اللجنة الدعوية في أقرب مسجد يتبعه الطالب المستقطب بناء على توصية من متبع الكتلة الإسلامية في المدرسة.

أما اللجنة الرياضية فتقتصر مهامها على إجراء المسابقات الرياضية داخل الجامعة أو المدرسة، كدوري كرة القدم و الطاولة وألعاب الفيديو “البلايستيشن”، تتم التصفيات داخل المدرسة ثم تنتقل إلى المحافظة ختامًا بدوري باسم القطاع ككل، هذه الأنشطة جميعها تقوم اللجنة الإعلامية بالترويج لها بين الطلاب وفي مساحات الإعلان المختلفة سواءً منشورات ورقية أو عبر تعليق أخبار الأنشطة في الأماكن المخصصة لمثل هذه الأخبار، كذلك تقوم اللجنة الإعلامية بالعمل على الإعلان عن الأنشطة والفعاليات المستمرة.

كل هذا الدور التكاملي في خدمة الطلاب وتقديم المساعدات لهم في ظل عدم وجود منافس آخر حقيقي أو ضعف الأداء من التكتلات الطلابية الأخرى إذا ما قورن بأداء الكتلة الإسلامية يجعل منها لاعبًا يكاد يكون وحيدًا  في ملعب الطلاب الواسع. مما يشكل عنصرًا إضافيًا في التأثير على تفكير الطلاب وتقريبهم أكثر من عناصر الحركة في المدرسة أو الجامعة، إذا أضيف إليه المتابعة المستمرة بعد انتهاء الدوام من قبل المعنيين في المسجد أو من خلال مخيمات صيفية، ليتشكل عبر الوقت وعي جديد لدى شريحة الطلاب حول حركة حماس مما يؤدي في نهاية الأمر إلى جعل المعارض مؤيد والمؤيد منتمي والمنتمي عنصر فاعل.

  • نشرت أولًا في جدلية | هنا

كيف يصبح المرء منشداً | سيرة منشد حمساوي

في فلسطين يمكن اعتبار أن بداية الأغنية الثورية الفلسطينية كانت بعد أغنية من سجن عكا التي كتبها الشاعر الفلسطيني نوح إبراهيم، ووصفت نضال ثلاث شبّان فلسطينيين أعدمهم الاحتلال البريطاني إثر ثورة البراق عام ١٩٢٩. (التي اندلعت بعدما نظمت حركات صهيونية مسيرة عند حائط البراق أنشدوا خلالها  نشيد الحركة الصهيونية ورددوا أن هذا الحائط لهم، تصدى لهم الفلسطينيون في اليوم التالي الذي وافق ذكرى الاحتفال بذكرى المولد النبوي، اندلعت اشتباكات عنيفة امتدت بعدها إلى مدن وقرى فلسطين.). يذكر حسين نازك مدير فرقة العاشقين أن أغنية يا ليل خلي الأسير تيكمل نواحه وجدت محفورة بأداة حادة على جدار غرفة بسجن عكا ويقال أن الشهيد عوض النابلسي هو من كتبها قبل إعدامه. وقد ظلت الأغنية الثورية الفلسطينية تحفظ  ذاكرة النضال المكلل بالبطولات والنكسات على حد سواء، لكنّها لم تتوقف أبدًا عن الإشارة والإحالة إلى رموز وأحداث حفرها لحن الثورة في الذاكرة.

لم يكن مستبعدا عندئذ أن تتسلّم حركة المقاومة الإسلامية قنديل الأغنية الثورية. في وسعنا ملاحظة تصاعد نبرة النديّة فيها، نبرة وعيد وتصعيد تمجد بطولات جرت وأخرى مقبلة. منح العنصر الإسلاموي الأغنية الثورية نبرة أمل لأنها تستقي رؤيتها للصراع من وعد بزوال المحتل من القرآن والسنة، وبالتالي فهي تخرج من [الآن] إلى [الآتي].

التفت الشيخ أحمد ياسين مؤسس حركة حماس إلى أهمية الأغنية في إشعال فتيل النضال، فالأغنية تتيح للناس شيئا يجتمعون عليه ويتصلون به. لو تخلت الحركة عن الأغنية كعنصر من عناصر نضال الشعب الفلسطيني، لكان من الصعب أن تحافظ على استمراريتها، بل لنُظر إليها كدخيل. كانت أولى تجليات هذا الالتفات تأسيس الشيخ ياسين لفرقة المجمع الإسلامي، والتي ضمت كل من حازم العجلة وباسم السويركي والشهيد مصطفى صرصور أبو عماد كنواة للفرقة، لينضم إليها فيما بعد الفنان رمضان الصيفي أبو رامي المعروف بزجال غزة.

لم تكن فرقة المجمع الإسلامي يتيمة في المجتمع الفلسطيني فقد سبقها بفترة وجيزة تأسيس فرقة إم النور في مدينة أم الفحم في الداخل الفلسطيني المحتل بقيادة المنشد علي صالح جبارين، وكذلك فرقة الغرباء في نابلس بالضفة المحتلة التي أسسها القيادي في حماس الشهيد جمال منصور. تأثرت الفرق الفلسطينية الثلاث بالأناشيد الإسلامية التي تدفقت من المنشدين السوريين في تلك الفترة كأبو راتب وأبو الجود.

كيف يُصبح المرء منشدًا؟

لم يكن الشيخ أحمد ياسين ليعتبر الأغنية الثورية منفصلة عن عامل الترفيه، ولعل هذا يؤكد أيضا على أهمية عنصر الأمل في الأغنية الإسلاموية. ففي أحد لقاءاته بالمنشدين في غزة، قال موجها كلامه للمنشدين “إنكم ترفهون عن الناس، واجبكم لا يقل عن دور الخطباء”. ومنذ ذلك الوقت لم تكن تخلو الأمسيات التي تقيمها حركة حماس داخل المساجد بعد صلاة العشاء أو أنشطة الكتلة الإسلامية –الذراع الطلابي لحركة حماس- من أداء لأنشودة يقدمها أحد الحضور من أصحاب الصوت الجميل، ينشد من ألبومات الحركة الإسلامية على أسماع الحضور، يحثهم على المجيء والاستماع إليه مرارا وتكرارا. وقد كان يعرف هذا الشخص دائمًا بمنشد المسجد الذي سيعمل لاحقا بتوجيه من أمير المسجد على إنشاء اللجنة الفنية للمسجد والتي ستضم منشدين أشبال آخرين من مساجد مجاورة، يجولون في الأمسيات التي تقيمها مساجد المنطقة.

تشكلت لاحقًا فرقة فنية في المنطقة مكونة من أفضل تلك الأصوات التي خرجت من حناجر اللجنة الفنية للمسجد، تجوب هذه الفرق حفلات الأفراح الإسلامية ومهرجانات تقيمها حركة حماس في المنطقة فضلا عن أدائها في عدد من المدن الأخرى داخل قطاع غزة. وغالبا ما تحمل هذه الفرق أسماء ذات مدلولات دينية أو جهادية مثل فرقة الشهداء والفوارس والبراق والغرباء واليرموك.

حكاية زجال غزة

رمضان الصيفي، أبو رامي، الملقب بزجال غزة هو أحد المنشدين الذين كان لهم علامة فارقة في مسيرة النشيد الإسلامي في القطاع وصاحب الحنجرة التي دخلت كل بيت في غزة بعد العمليات الاستشهادية. كان أبو رامي المولود في غزة سنة ١٩٥٨   أحد أعضاء فرقة المجمع الإسلامي التي أسسها الشيخ أحمد ياسين، ثم أسس برفقة المنشدين القدامى مازن صلوحة ومحمد عوض فرقة الفن الإسلامي في منطقة الشيخ رضوان شمالي مدينة غزة.

أصدرت الفرقة أربعة عشر شريطًا شارك فيه زجال غزة، كان أبرزها ألبوم البركان الذي تبع عمليتي العفولة والخضيرة. افتقرت الفرقة في ذلك الوقت لملكة التأليف مما دفعها لمحاكاة طراز الأغاني الزجلية المُغنّاة في الداخل الفلسطيني المحتل مثل أغاني شفيق كبها وأحمد مدنية ولكن بكلمات إسلامية. كان أبو رامي يدرك أن أن الجمهور يريد أن يفرح، وقد أراد أن تكون أناشيده سبيلا للتخفيف عن الناس ومواساتهم، فيقول لمعازف: “كسرنا الحاجز من خلال الزجل الشعبي والإيقاع السريع، الناس بدها تفرح وبدها ايقاع سريع يحمسها ويخليها تحس بالفرحة ويعالج مشاكلها وواقعها”.

تنقل أبو رامي  بصوته بين أجزاء فلسطين فأحيا حفلاته في غزة والضفة والداخل المحتل، حيث شارك في مهرجان إم النور الأول الذي تقيمه الحركة الإسلامية بالداخل بشكل دوري. حاول من خلال أناشيده أن يؤرخ الانتفاضة الفلسطينية، ونستطيع القول أنه قد فعل ذلك عندما صدحت حنجرته بتبجيل مقاومي الحجارة ثم الكارلو والكلاشنكوف، كما كان في ألبوماته حضور ساطع للعمليات الاستشهادية والعبوات.

لا تقتصر أناشيده على سرد الملحمة بنبرة الأمل، لكنها تتجاوز السرد إلى التنبؤ، فقد تنبأ بصواريخ المقاومة الفلسطينية قبل صناعتها فأنشد عام ١٩٩٤ “أشعلها حربا قدسية بالقنابل اليدوية والحجارة المقدسية، اضرب اضرب بالمولوتوف بعد الحجر كلاشنكوف… بكرا بتكبر فرحتنا لما بنضرب صواريخنا”، وما كانت إلا سنوات قليلة، حتى غادرت كلماته مجاز المؤلف إلى إعجاز المقاوم، لتدكَ صواريخ المقاومة مغتصبات المحتل.

تردد صدى صوت الفنان أبو رامي الصيفي في كل مكان بغزة من محطات الراديو وأشرطة مسجلات السيارات إلى حفلات الأعراس وتأبين الشهداء ومناسبات وطنية تنقل بينها بحطته الفلسطينية وعقاله وإشارة تعلو وتدنو من يديه يحمس الجماهير الذين يرددون خلفه كلمات “فجر اضرب لا ترحم من فيها، دمر خليها عاليها واطيها … ولّعها لا تهتم، ع الغاصب المحتل” ويكمل خلفه الناس “كل المستوطنات … دمرها ، احرقها، أصوات التفجيرات للعالم سمعها … لا تسمع للجبناء، لا ترحم الأعداء… بيننا وبينهم الحرب”.

لا ينسى أهل مخيم خانيونس يوم تجمعوا في حفل تأبين الشهيدين جميل وادي وأحمد القدرة ورددوا خلف أبو رامي وأصوات الرصاص في الخلفية “بنتحداك رابين تظلك عنا، شيب وشبان وأجنة تنظمنا … هي هي هي … بنتحداك رابين تظلك عنا، ما نخليك تنام الليل والقسام يهد الحيل … والقسام في الميدان بيستناك وبنتحداك”. يقاطعه الجمهور بهتاف “تحية للكتائب عز الدين”.

لا يخفي زجال غزة تأثره بالثورة الأفغانية وتعطشه “لشيء إسمه إسلام” كما يقول، إذ كانت أناشيده إضافة إلى كونه خطيبًا وإمامًا في المسجد سببًا في إبعاده خارج فلسطين مع مبعدي مرج الزهور، (هم ٤١٥ ناشطاً إسلامياً فلسطينياً من الضفة الغربية وقطاع غزة قامت قوات الاحتلال الإسرائيلي بإبعادهم إلى منطقة مرج الزهور في جنوب لبنان المحتل عام ١٩٩٢). فأنشد للمبعدين داخل الشاحنة في الطريق إلى لبنان وفور وصولهم إلى مرج الزهور أسس ورفاقه فرقة المبعدين وأصدروا ألبومي المبعدين الأول والثاني، حيث كان ينشد أبو رامي ويدق رفيقه عاطف ياسين على الجالونات من خلفه ليحيك إيقاعًا لأناشيد ساعدت بشكل كبير في شد أزرهم داخل مخيمهم.

يا ابن الكتائب لا تسلم السلاح، بهذه الأنشودة رد أبو رامي على من كان يدعو المقاومة لتسليم سلاحها في أواخر التسعينات، ويستذكر في حديثه مع معازف أنشودة أنشدها بعد استشهاد يحيى عياش كان يفترض فيها أن لا أحد سيرد على عملية اغتياله، فقال: “قالولي بيكفي كلام بيكفي طن طن زجل … ما عاد في قسام ما عاد في عمل … قلت الامل في الله ما هو في الرجال الهمل”.

وقد تسبب هذا المقطع الأخير باستدعائه من قبل السلطة الفلسطينية ليتم استجوابه بشأن عبارة “الرجال الهمل” فقد ظنوا أنه يقصدهم. فأجابهم بأنه لا ينبغي عليهم أخذ الكلمات بشكل شخصي وأن الشعب الفلسطيني مثله مثل بقية الشعوب فيه “الهامل والكامل”.

في عام ٢٠٠٠ وعندما طغت أحداث الانتفاضة الثانية المتسارعة على المشهد، وضمر حضور الفن الإسلامي تحت وطأة أخبار العمليات المتتالية. قرر ابو رامي الاعتزال والاهتمام بالدراسة حيث حصل على ماجستير في الجامعة الإسلامية ثم رسالة الدكتوراة من جامعة الجنان بلبنان في العلوم الإسلامية، ليعمل الآن موظفًا في الجامعة الإسلامية بغزة. وقال أنه لم يدرس علوم الموسيقى خوفًا من أن يساء فهمه من قبل المشايخ ويتعرض لانتقادات منهم، متمنيًا أن يكتب بحثًا عن الإخراج الفني بالقرآن الكريم.

تطور الأنشودة في غزة

يتحدث المنشد مروان أبو الحُسنى عن مراحل تطور الفن الإسلامي في قطاع غزة ويقول: “كانت تُسجل الأشرطة في المساجد بجودة سيئة ولاحقًا استخدم الفنانون الدف لصنع الإيقاع كما في الألبومات الأربعة الأولى من سلسلة زجل غزة، إلى أن أدخل الفنان نبيل الخطيب الإيقاع الإلكتروني إلى قطاع غزة ضمن ألبوم كوماندو القسام الذي أصدرته فرقة الشهداء. وسجل وقتها في استديو وليس في المسجد كما جرت العادة”.

يتابع أبو الحسنى الذي يقدم برنامج أعذب نشيد على إذاعة صوت الأقصى المحلية في غزة: “أول استديو ملتزم في قطاع غزة أنشأه عبد الكريم حبوش عام ١٩٩٤ ليُصبح معتمدًا لدى الفرق الإسلامية لتسجل أناشيدها عنده”. بعد ذلك بدأت بالتطور تدريجيًا وكانت النقلة الذهبية للأناشيد في غزة عام ٢٠٠٦ مع بداية فضائية الأقصى التابعة لحركة حماس في قطاع غزة حيث أوجدت قسمًا خاصًا للفنون فيه استديو عمل فيه محمود عمار أكبر موزع في غزة. بدأت الفضائية دعوة المنشدين الذين لديهم كلمات لأناشيدهم أن يسجلوها بشكل مجاني داخل أستديوهات الفضائية. وكانت لجنة تقييم الأداء بقيادة المنشد حسن النيرب حتى وصل الحال إلى إنتاج الكليبات وإخراجها.

المنشدون الشهداء

أن يكون المنشد الفلسطيني داخل فلسطين فذلك يحيله إلى فلسطينيته، لا إلى عالم الفن بما فيه من امتيازات. ولعلّ هذه الحقيقة، هي ما أدخلهم إلى قلوب الناس. يقول سميح شقير “إن رحل صوتي ما بترحل حناجركم”. ولعل هذه هي رسالة المنشد الأبلغ، فهو يخاطب الشعب بوصفه واحدا منهم، رفيقا يعيش معهم درب النضال والتحرر.

إن رحل صوت المنشد، ستتمّ حناجر الشعب المسير. وأي رحيل يمكن أن يكون للمنشد في فلسطين أجمل رحيل من الاستشهاد؟ كان أول شهداء الحركة الإنشادية الإسلامية الشهيد مصطفى صرصور، أبو عماد، عضو أول فرقة اسلامية في غزة فرقة المجمع الإسلامي والذي كان له دور بارز في إنشاء أول فرقة للمسرح الإسلامي كذلك. وقد استشهد برفقة الشيخ أحمد ياسين بعد خروجهم من صلاة فجر يوم ٢٣ مارس/آذار ٢٠٠٤، وفي عام ٢٠٠٨ استشهد أعضاء فرقة نشيد حماة الوطن النشيد التابعة لوزارة الداخلية في حكومة حماس وهم صهيب عبد العال وحسن أبو شنب وأكرم أبو زريبة وثائر ماضي ومصطفى الصباغ ومحمد الخروبي. ليصبح اسم فرقتهم بعد استشهادهم فرقة شهداء الوطن. وخلال الأحداث الأمنية التي شهدها قطاع غزة في مايو ٢٠٠٧ اغتالت قوات تابعة للسلطة الفلسطينية المنشد محمد مطر عبدو عضو فرقة الفوارس برفقة أحد زملائه في عمله الصحفي بجريدة فلسطين.

الانشودة في المواجهة

بداية من الانتفاضة الثانية ومع انتشار الإذاعات المحلية أخذت الانشودة مكانها في المواجهة، فبعد العمليات الاستشهادية والقصف وسقوط الشهداء واندلاع الجولات بين المقاومة والاحتلال صعدت الأنشودة، فبعد الغارات استمعنا لـ يا مقاومة اشتدي، ومع تحليق سقوف الباصات في الأرض المحتلة حفرت أنشودة طلاب الموت جايينك يا فلسطين، حرة إسلامية رايدينك هالفدائيين” في أذهان الفلسطينيين.

كانت الأنشودة في غزة ولا تزال أداة هامة في التفاعل مع الحدث على الأرض، ولا يختصر ترديدها على الإسلاميين بل تتردد مع الحدث، ناشرة الحماس في مواقف النصر، ومعززة الحزن في لحظات الضعف.

في يوم الأسير الفلسطيني .. إضراب عن الطعام

تزامنًا مع يوم الأسير الفلسطيني يبدأ اليوم آلاف الأسرى الفلسطينين في سجون الاحتلال إضرابًا مفتوحًا عن الطعام، احتجاجًا على الانتهاكات التي يتعرض لها الأسرى من منع لزيارات الأهل ونهج الإهمال الطبي الذي تتبعه إدارة السجون ضدهم، إضافة إلى سياسة الاعتقال الإداري (اعتقال دون لائحة اتهام ودون محاكمة) التي زادت في الفترة الأخيرة تزامنًا مع هبّة القدس.

الإضراب الذي يقوده الأسير القيادي في حركة فتح مروان البرغوثي يشارك فيه أسرى حركة فتح داخل سجون الاحتلال إضافة إلى أسرى من بقية التنظيمات موزعين على السجون المختلفة، حيث أعلنت الهيئة القيادية العليا لأسرى حماس، دعمها ومساندتها  للإضراب الذي سيخوضه نخبة من الأسرى في سجون الاحتلال، وأكدت مشاركة أسرى حماس في سجن هداريم إلى جانب الأسرى في إضرابهم، كذلك قالت حركة الجهاد الإسلامي في بيان لها إن أسرى الحركة في سجن نفحة سيدخلون في الإضراب حتى تحقيق مطالب الأسرى، وانضم إليهم أسرى الجبهتين الشعبية والديمقراطية، كذلك يدخل أسرى حزب الشعب الفلسطيني وجبهة التحرير الفلسطينية الإضراب إلى جانب رفاقهم في سجون الاحتلال.

أرقام وإحصاءات

يتوزع الأسرى الفلسطينيون الذين بلغ عددهم 6500 أسير وأسيرة على 24 سجنًا ومركز توقيف وتحقيق داخل فلسطين المحتلة، منهم 500 معتقل إداري ونحو 300 طفل إضافة إلى 13 نائبًا في المجلس التشريعي الفلسطيني أقدمهم الأسير مروان البرغوثي المعتقل منذ عام 2002 والذي دخل أمس عامه السادس عشر في الأسر.

وبحسب نادي الأسير الفلسطيني فإن 57 أسيرةً فلسطينيةً منهن 13 فتاةً قاصرًا يقبعن داخل زنازين الاحتلال، تحررت أمس عميدتهن الأسيرة المحررة لينا الجربوني من عرابة البطوف بالداخل الفلسطيني المحتل بعد قضاء 15 عامًا داخل سجون الاحتلال كانت خلالها كالأم للأسيرات في السجن ترعاهن وتصبرهن على مرارة الساعات بين جدران السجن الأربع.

وقدمت الحركة الأسيرة داخل سجون الاحتلال 210 شهيدًا كان آخرهم الشهيد محمد الجلاد من محافظة طولكرم الذي استشهد في شباط/ فبراير 2017، استشهد بعضهم نتيجة الإهمال الطبي أو نتيجة عمليات التعذيب والقمع، فيما بلغ عدد الأسرى القدامى المعتقلين قبل توقيع اتفاقية أوسلو 29 أسيرًا أقدمهم الأسير كريم يونس من قرية عارة في الداخل الفلسطيني المحتل والمعتقل  منذ تاريخ 6 من كانون ثاني/ يناير 1983 والذي يقضي حكمًا بالمؤبد، إلى جانبهم يوجد 34 أسيرًا من الدول العربية داخل سجون الاحتلال و56 أسيرًا من محرري صفقة وفاء الأحرار الذين تم اعتقالهم وإعادة محاكمة بعضهم بما يخالف بنود اتفاقية تبادل الأسرى عام 2011.

وفي بيان لمركز الإحصاء الفلسطيني منتصف هذا الشهر فإن الاحتلال اعتقل نحو مليون فلسطيني في سجونه منذ نكبة فلسطين عام 1948، وسجلت أكثر من 100 ألف حالة اعتقال منذ اندلاع انتفاضة الأقصى في 28 سبتمبر/ أيلول 2000 بينهم 15 ألف طفل و1500 امرأة ونحو 70 نائبًا ووزيرًا سابقًا، إضافة إلى ذلك أصدرت قوات الاحتلال نحو 27 ألف قرار اعتقال إداري ما بين اعتقال جديد وتجديد لاعتقال سابق منذ اندلاع الانتفاضة.

مليون سنة أسر

بمشاركة عشرات الإذاعات الفلسطينية نظم مركز إعلام الأسرى المختص بشؤون الأسرى الفلسطينيين موجة إذاعية تحمل عنوان “مليون سنة أسر” في ذكرى يوم الأسير الفلسطيني، بواقع 65 ساعة بث متتالية، بدأت يوم السبت عند الخامسة مساءً ومن المقرر أن تنتهي عند الساعة العاشرة صباح يوم غدٍ الثلاثاء.

الموجة المنتظر أن تحقق رقمًا قياسيًا لتدخل موسوعة غينيس العالمية تهدف إلى إبراز قضية الأسرى في سجون الاحتلال وظروف حياتهم الصعبة، وتستضيف نحو 200 شخصية مختصة بشؤون الأسرى وحقوق الإنسان والقضية الفلسطينية.

انطلقت الموجة بكلمة لرئيس المكتب السياسي لحركة حماس خالد مشعل ويتوسطها كلمة للناطق العسكري باسم كتائب الشهيد عز الدين القسام “أبوعبيدة” يوجه من خلالها رسالة للأسرى داخل السجون في الوقت الذي تحتجز كتائب القسام عددًا من جنود الاحتلال أسرى لديها بانتظار صفقة تبادل للأسرى.

يوم الأسير الفلسطيني

يحيي الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات يوم الأسير الفلسطيني في السابع عشر من نيسان كل عام، اليوم الذي أقره المجلس الوطني الفلسطيني عام 1974 خلال دورته العادية ليكون يوم تقدير ووفاء للأسرى في سجون الاحتلال، يتضمن هذا اليوم فعاليات في المدن الفلسطينية لتذكير الناس بقضية الأسرى في سجون الاحتلال، الذين يدافعون عن قضية آمنوا بعدالتها ووهبوا لها سنين عمرهم داخل زنازين صغيرة تحرمهم من أدنى حقوقهم الإنسانية.

* نشرت أولًا على نون بوست | هنا